اخبار

محمد عثمان الرضي يكتب : السودان ومصر.. من دفء المشاعر إلى صرامة المصالح

تابعنا على الواتساب لمزيد من الاخبار

                           

🔹 ثمة سؤال كبير يطرق أبواب العقل السوداني والمصري معاً، ولم يعد من الحكمة تأجيله أو إغراقه في المجاملات الدبلوماسية: ماذا يريد السودان من مصر؟ وماذا تريد مصر من السودان؟ وهل أدّت القاهرة ما عليها تجاه الخرطوم؟ وهل استطاع السودان أن يرد لمصر بعض ما قدمته، وأن يحول هذه العلاقة التاريخية إلى شراكة حقيقية تليق بمكانتها؟

🔹 ليست هذه الأسئلة وليدة خصومة، ولا هي محاولة للنيل من علاقة ضاربة الجذور بين شعبين جمعهما النيل والتاريخ والجغرافيا والمصاهرة والمصالح والمصير؛ وإنما هي أسئلة المحبة الصادقة حين تبلغ العلاقة مرحلة يصبح فيها الصمت عن مواطن الخلل نوعاً من التقصير، ويصبح تكرار العبارات الجميلة دون أفعال موازية استهلاكاً لمعنى الأخوة نفسه.

🔹 لقد آن الأوان أن نغادر محطة المجاملات الدبلوماسية، وأن نخلع عن العلاقة السودانية المصرية ثوب الخطابات المنمقة، لنرتدي ثوب الشراكة الواقعية. فالعلاقات الكبرى لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدر عقب الاجتماعات، ولا بحرارة المصافحات أمام عدسات الإعلام، وإنما بما تتركه في حياة الشعوب من أثر، وما تفتحه أمامها من أبواب الأمل والعمل والاستقرار.

🔹 السودان ومصر لا يحتاجان إلى إثبات أن بينهما تاريخاً مشتركاً؛ فالتاريخ قائم بذاته، ولا يحتاج إلى شهادة ميلاد جديدة. ولا يحتاجان إلى إثبات وحدة الجغرافيا؛ فالنيل أكثر بلاغة من كل الخطب، والحدود لا تستطيع أن تمحو ما صنعته قرون من التداخل بين الشعبين.

🔹 لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا بعد كل هذه الحقائق؟ ماذا فعلنا بهذا الإرث العظيم؟ وهل استطعنا أن نحوله من عاطفة إلى مشروع، ومن شعار إلى واقع، ومن حديث عن المصير المشترك إلى مصالح مشتركة يستشعرها المواطن السوداني والمصري في تفاصيل حياته اليومية؟

🔹 الحكومات تتبدل، والأنظمة تتغير، والوزراء يغادرون مواقعهم، والسفراء يأتون ثم يرحلون، لكن الشعوب تبقى. ولذلك فإن أذكى ما يمكن أن تفعله الخرطوم والقاهرة هو أن تؤسسا لعلاقة لا تتكئ على الأشخاص، ولا تتأثر بتقلبات السياسة، وإنما تستند إلى شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والتنموية والاجتماعية التي تجعل العلاقة بين الشعبين عصية على الاهتزاز.

🔹 فالأقوال مهما بلغت أناقتها لا تبني طريقاً، ولا تعيد مستشفى إلى الخدمة، ولا تشيد مدرسة، ولا تعيد مصنعاً إلى دورانه. الكلمات قد تفتح أبواب الأمل، لكنها وحدها لا تصنع المستقبل. وما يحتاجه السودان اليوم هو أن يرى ما يُقال عنه يتحول إلى مشروعات قائمة على الأرض، وإلى أرقام وطرق ومصانع ومساكن ومستشفيات ومحطات كهرباء وموانئ ووسائل نقل.

🔹 ولا جدال في أن مصر تمتلك إمكانيات اقتصادية وهندسية وسياسية هائلة، وتجربة عمرانية وتنموية كبيرة خلال السنوات الأخيرة. وقد استطاعت القاهرة أن تنفذ في وقت قصير مشروعات ضخمة غيّرت ملامح مناطق كاملة، وأثبتت أن الإرادة السياسية حين تلتقي بالقدرة التنفيذية تستطيع اختصار سنوات طويلة من الانتظار.

🔹 ومن هنا تحديداً يمكن أن يبدأ الفصل الجديد في العلاقة بين الخرطوم والقاهرة. فالسودان الخارج من حرب قاسية لا يبحث عن شفقة، ولا يريد أن يكون عبئاً دائماً على أشقائه، وإنما يريد شراكة تعينه على الوقوف من جديد، وتساعده على استعادة عافيته، وتفتح أمام شعبه طريقاً إلى البناء بعد سنوات الهدم.

🔹 الخرطوم، التي دفعت ثمناً باهظاً للحرب، تحتاج إلى مشروع إعادة إعمار استثنائي. وما دمرته الحرب يمكن إعادة بنائه، وما انقطع يمكن وصله، وما توقف يمكن تشغيله، إذا توفرت الإرادة والموارد والخبرة. ومصر، بحكم قربها الجغرافي وخبرتها وقدرات شركاتها ومؤسساتها، مؤهلة لأن تكون أحد أهم الشركاء في هذه المهمة التاريخية.

🔹 وليس المطلوب أن تبني مصر السودان وحدها، فهذا ليس منطق الشراكة ولا منطق الدول. المطلوب أن يضع البلدان خريطة مصالح مشتركة: رأس المال والخبرة والتنفيذ من الجانب المصري، والموارد والأسواق والموقع والفرص الاستثمارية من الجانب السوداني، ثم يلتقي الطرفان في منتصف الطريق لصناعة قيمة حقيقية تعود بالنفع على الشعبين.

🔹 ومن خلال وجودي في القاهرة خلال هذه الأيام، ومشاركتي في عدد من المناشط واللقاءات التي تجمع السودانيين والمصريين، ظللت أستمع إلى حديث بالغ الجمال عن العلاقات الثنائية، وعن الأخوة، وعن وحدة المصير، وعن ضرورة الوقوف إلى جانب السودان.

🔹 وكل ذلك جميل… لكنه لم يعد كافياً. فبعد أن امتلأت الآذان بالكلمات، أصبح من حق الشعب السوداني أن يسأل: أين المشروع؟ أين المبادرة؟ أين الخطوة التي يمكن أن يراها بعينه، ويقول بعدها: نعم، لقد تحولت الأخوة من خطاب إلى فعل؟

🔹 ولعل أكثر ما استوقفني في هذا السياق حديث السفير المصري الجديد لدى السودان، السفير ياسر سرور، حين أشار إلى ضرورة تنزيل مشروعات حقيقية يشاهدها الشعب السوداني على أرض الواقع، حتى تتأكد له وقفة مصر إلى جانبه بالفعل لا بالقول.

🔹 هذه العبارة تحديداً ينبغي ألا تمر مرور الكرام. لأنها تضع اليد على جوهر المسألة: الشعب السوداني لا يحتاج إلى أن نعيد عليه تعريف مصر، ولا إلى أن نشرح له معنى الأخوة، فهو يعرف مصر أكثر مما يعرفها كثيرون. لكنه يحتاج أن يرى نتائج هذه الأخوة في حياته، وأن يشعر بأن العلاقة بين البلدين ليست مجرد إرث نتغنى به، وإنما قوة دافعة لبناء المستقبل.

🔹 وفي الجانب الآخر، ينبغي للسودان أن يكون صريحاً مع نفسه أيضاً. فمن يطلب الشراكة عليه أن يقدم مقوماتها، ومن ينتظر الاستثمار عليه أن يهيئ بيئته، ومن يريد أن تكون مصر سنداً له فعليه أن يفتح أبواب الاستثمار المصري بصورة منظمة ومدروسة، وأن يزيل العقبات أمام الشركات والمستثمرين، وأن يجعل السوق السودانية فرصة حقيقية لا مغامرة محفوفة بالمجهول.

🔹 العلاقة الناضجة ليست علاقة مانح بممنوح، ولا علاقة قوي بضعيف؛ وإنما علاقة شريكين يعرف كل منهما قيمة ما يملكه الآخر. مصر تحتاج إلى السودان بقدر ما يحتاج السودان إلى مصر؛ السودان يمتلك الأرض والثروات والأسواق والموقع الاستراتيجي، ومصر تمتلك الخبرة والقدرة الصناعية والبشرية والتنفيذية، وبينهما فضاء واسع يمكن أن يتحول إلى واحدة من أكبر الشراكات الاقتصادية في المنطقة.

🔹 وربما تكون الحرب، رغم كل مآسيها، قد منحت البلدين فرصة نادرة لإعادة تعريف العلاقة على أسس أكثر واقعية. فرصة للانتقال من «العلاقة التاريخية» إلى «الشراكة التاريخية»، ومن استدعاء الماضي إلى صناعة المستقبل، ومن الاحتفاء بما كان إلى السؤال عما ينبغي أن يكون.

🔹 الشعوب لا تتذكر البيانات، لكنها تتذكر الأفعال. لا تتذكر عدد المؤتمرات، لكنها تتذكر المدرسة التي أُعيد بناؤها، والمستشفى الذي عاد للعمل، والطريق الذي شُيّد، والمصنع الذي فتح أبوابه، والمدينة التي استعادت أنوارها، والشاب الذي وجد وظيفة، والأسرة التي عادت إلى منزلها بعد أن ظلت طويلاً تحت وطأة النزوح.

🔹 لذلك فإن الرسالة اليوم ليست إلى القاهرة وحدها، وإنما إلى الخرطوم أيضاً: آن أوان العمل. آن أوان أن تتحول النوايا الحسنة إلى برامج، والبرامج إلى مشروعات، والمشروعات إلى واقع يراه الناس. فالسودان لا يحتمل مزيداً من الانتظار، ومصر ليست بعيدة عن المشهد، بل هي الأقرب والأقدر والأكثر التصاقاً بتفاصيله.

🔹 مصر أمام فرصة تاريخية، والسودان أمام حاجة تاريخية، وبين الفرصة والحاجة يمكن أن تولد شراكة تاريخية. وإذا كانت القاهرة قد استطاعت أن تعيد تشكيل وجهها العمراني في سنوات قليلة، فإن بإمكانها، بالشراكة مع السودان، أن تسهم في إعادة بناء الخرطوم ومدن السودان، لا بمنطق الوصاية، وإنما بمنطق الأخوة والمصلحة المتبادلة.

🔹 وفي نهاية المطاف، فإن الشعب السوداني لا يريد من مصر قصيدة جديدة في الأخوة، فقد حفظ القصيدة عن ظهر قلب؛ إنه يريد ترجمتها. يريد أن يرى الكلمات تمشي على الأرض، وأن تتحول العبارات إلى مشروعات، والمشروعات إلى حياة، والحياة إلى مستقبل.

🔹 كفانا حديثاً جميلاً… فقد جاء زمن الفعل. فالتاريخ لا يصنعه الذين يجيدون وصف العلاقات، وإنما الذين يمتلكون شجاعة تحويلها إلى واقع. وإذا كانت مصر والسودان حقاً «شعباً واحداً في بلدين»، فإن أعظم اختبار لهذه العبارة ليس في جمال ترديدها، وإنما في قدرتنا على بناء مستقبل واحد، ومصلحة واحدة، ونهضة يستفيد منها شعبا وادي النيل.

🔹 السودان يريد أفعالاً لا أقوالاً… ومصر تملك الكثير الذي تستطيع أن تفعله. فلتكن البداية اليوم، لا غداً؛ ولتكن الخرطوم أول شاهد على أن الأخوة حين تصدق، تتحول من كلمة تُقال إلى وطن يُبنى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى