اخبار

 محمد عثمان الرضي يكتب : البرهان في القيادة العامة.. حين تحدث الجنرال وترك للدموع بقية الحكاية

تابعنا على الواتساب لمزيد من الاخبار

                           

البرهان في القيادة العامة.. حين تحدث الجنرال وترك للدموع بقية الحكاية

 محمد عثمان الرضي

✦ بعض اللقاءات تنتهي بانتهاء المصافحة، وبعضها يبدأ تأثيره بعد مغادرة المكان. أما لقاء اليوم مع الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان داخل القيادة العامة بالخرطوم، فقد كان مختلفاً؛ فالمكان يحمل ذاكرة الحرب، والخرطوم تستعيد حضورها، والجنرال يتحدث من موقع لم يكن من السهل تخيل العودة إليه قبل سنوات قليلة.

✦ كانت المرة الأولى التي التقيت فيها البرهان في مدينة بورتسودان، داخل قاعة جهاز المخابرات العامة، ضمن مجموعة من الزملاء الصحفيين، في وقت كانت فيه الخرطوم تحت وطأة الحرب، وأصبحت بورتسودان مركزاً مؤقتاً لإدارة الدولة.

✦ اليوم، العاشر من سبتمبر 2026، يتكرر اللقاء، لكن من داخل القيادة العامة في الخرطوم. وحدها هذه المسافة بين اللقاءين تختصر كثيراً من قصة الحرب: عاصمة غادرتها مؤسسات الدولة تحت ضغط المعارك، ثم عادت إليها بعد تبدل موازين الميدان.

✦ لذلك لم يكن حديث البرهان اليوم مجرد لقاء مع الصحفيين؛ فقد تحدث عن الحرب والجيش والحكومة، واستعاد بعضاً من وقائع السنوات السابقة، وترك رسائل سياسية لا يصعب التقاط دلالاتها.

✦ في الشأن الحكومي، بدت نبرة البرهان أقرب إلى عدم الرضا عن مستوى أداء الحكومة المدنية برئاسة الدكتور كامل إدريس، خصوصاً في ما يتعلق بقدرتها على ملامسة قضايا المواطنين والتعامل مع همومهم اليومية.

✦ هذه الملاحظات، صادرة من رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، لا يمكن التعامل معها كحديث عابر. وقد يرى فيها البعض تمهيداً لتعديل حكومي أو تغيير في قيادة الجهاز التنفيذي، بينما قد تكون في المقابل رسالة ضغط لتحسين الأداء. وفي الحالتين، يظل القرار النهائي رهناً بما ستكشف عنه المرحلة المقبلة.

✦ اللافت أن البرهان لم يكتفِ بقراءة الحاضر، بل عاد إلى ما قبل الحرب، مقدماً إفادة سياسية وعسكرية شديدة الأهمية، حين قال إن الرئيس السابق المشير عمر البشير كان يرغب في حل القوات المسلحة السودانية، وأن تصبح قوات الدعم السريع هي الأساس الذي يقوم عليه الجيش، مؤكداً أنه اعترض على ذلك التوجه عندما كان قائداً للقوات البرية

✦ هذه الرواية تضع جانباً من العلاقة السابقة بين الجيش والدعم السريع تحت ضوء مختلف، وتعيد طرح أسئلة حول القرارات والترتيبات التي سبقت اندلاع الحرب. غير أن التاريخ لا يُبنى على شهادة واحدة، وتظل هذه الإفادة بحاجة إلى وضعها ضمن وثائق وشهادات أخرى حتى تكتمل الصورة.

✦ وفي ملف طالما أحاطت به التكهنات، شرح البرهان كيفية مغادرته القيادة العامة خلال فترة الحصار، قائلاً إن العملية تمت عبر تمويه وإجلاء بطائرة عمودية إلى قاعدة وادي سيدنا العسكرية، ومنها إلى بورتسودان.

✦ وبذلك قدم البرهان روايته المباشرة لواحدة من أكثر وقائع الحرب إثارة للجدل، مؤكداً أن خروجه تم بهذه الطريقة، بعيداً عن الروايات التي تحدثت عن تدخلات خارجية في عملية الإجلاء.

✦ أما الجيش، فقد حرص البرهان على تقديم صورة مختلفة عن المؤسسة العسكرية بعد سنوات الحرب، مؤكداً أنها أصبحت أكثر قوة، مستشهداً بإنشاء أربع قواعد عسكرية وفق مواصفات وصفها بالعلمية والعالمية.

✦ وفي المقابل، جاء موقفه من قوات الدعم السريع قاطعاً؛ فلا تفاوض ولا اتفاق، وفق ما أعلنه، مع استمرار القتال حتى استعادة المناطق التي ما زالت تحت سيطرتها.

✦ هذه المواقف تكشف أن القيادة العسكرية لا تزال تنظر إلى الحسم الميداني باعتباره الطريق الرئيسي لإنهاء الحرب، وأن أي تحول في هذا الاتجاه سيحتاج إلى معطيات جديدة على الأرض وفي السياسة.

✦ لكن أكثر لحظات اللقاء تأثيراً لم تكن عسكرية ولا سياسية، وإنما إنسانية؛ عندما لم يتمكن البرهان من حبس دموعه فانهمرت أمام الصحفيين.

✦ للحظة، غابت لغة الجنرالات وحسابات السياسة. بقي رجل أمام مجموعة من الصحفيين يحمل أثقال سنوات الحرب، وكانت الدمعة أبلغ من أي خطاب.

✦ وقف الصحفيون بالتهليل والتكبير والتصفيق، في مشهد امتزجت فيه المهنية بالمشاعر، وتحول اللقاء الرسمي إلى لحظة إنسانية نادرة.

✦ وربما كانت تلك الدموع أكثر ما منح اللقاء خصوصيته؛ لأنها كشفت الوجه الآخر لقائد ظل طوال سنوات الحرب يتحدث بلغة القرار والمواجهة، بينما تختزن ذاكرته تفاصيل مرحلة بالغة القسوة.

✦ ومن التفاصيل التي أثارت اهتمام الحاضرين أيضاً حضور عضو مجلس السيادة الفريق بحري إبراهيم جابر، باعتباره المسؤول الوحيد من أعضاء المجلس الذي حضر اللقاء.

✦ وقد فُسّر هذا الحضور سياسياً بقراءات متعددة، من بينها احتمال أن يكون لجابر موقع أكبر في المرحلة المقبلة، وصولاً إلى احتمال توليه رئاسة مجلس الوزراء، غير أن ذلك يظل في إطار التكهن والتحليل، وليس خبراً مؤكداً.

✦ وهذه نقطة مهمة في قراءة المشهد السوداني: فالتفاصيل السياسية كثيراً ما تفتح باب التأويل، لكن الصحافة المهنية تظل مطالبة بالفصل بين ما قيل فعلاً وما يمكن استنتاجه منه.

✦ لهذا فإن لقاء اليوم يستحق التوقف عنده؛ لأنه لم يقدم موقفاً عسكرياً فحسب، بل كشف أيضاً عن تباين في تقييم الأداء الحكومي، واستعاد وقائع من الماضي، وقدم رواية عن خروج القائد العام من القيادة المحاصرة، وانتهى بلحظة إنسانية يصعب نسيانها.

✦ غير أن كل هذه الرسائل تقود في النهاية إلى سؤال واحد: ماذا بعد الحرب؟

✦ فالسودان الذي يخرج من حرب طويلة لن يستطيع إدارة المرحلة المقبلة بالعقلية نفسها التي أدارت المعركة. المطلوب الآن دولة تستعيد مؤسساتها، وحكومة تقترب من المواطن، وسياسة قادرة على معالجة آثار الحرب لا الاكتفاء بإدارة نتائجها.

✦ عودة الخرطوم تمثل نقطة تحول مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق. فالمدينة يمكن أن تتحرر عسكرياً، لكن استعادة عافيتها تحتاج إلى أمن وخدمات وإعمار واقتصاد ومؤسسات تستعيد ثقة المواطن.

✦ وبين بورتسودان والخرطوم، وبين اللقاء الأول والثاني، تغير المشهد كثيراً. لكن التحدي الأكبر لم يتغير: كيف يتحول الانتصار العسكري إلى استقرار سياسي، وكيف تتحول نهاية الحرب إلى بداية حقيقية لبناء الدولة؟

✦ ربما كانت دموع البرهان هي الإجابة الإنسانية، وكانت كلماته الإجابة العسكرية، أما الإجابة السياسية فما زالت في رحم الأيام. وما ستفعله القيادة السياسية والعسكرية في هذه المرحلة سيكون أهم من كل ما قيل في لقاء اليوم.

✦ فالخرطوم التي عادت من قلب الحرب لا ينبغي أن تعود إلى الأخطاء التي سبقت الحرب. لقد انتهى فصل المعركة وبدأ فصل الدولة؛ وفي هذا الفصل لن يكون المقياس من انتصر في الميدان فقط، وإنما من ينجح في بناء وطن يشعر فيه المواطن أن كل هذه التضحيات لم تذهب سدى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى