اخبار

محمد عثمان الرضي يكتب : الجنرال أحمد إبراهيم مفضل.. رجلٌ يتحدث بحساب ويترك للسطور ما وراءها

تابعنا على الواتساب لمزيد من الاخبار

                           

الجنرال أحمد إبراهيم مفضل.. رجلٌ يتحدث بحساب ويترك للسطور ما وراءها

كتب محمد عثمان الرضي

◆ بعض الشخصيات لا تحتاج إلى كثير من الكلام حتى تترك أثراً. يكفي أن تجلس إليها لتدرك أن خلف الهدوء عقلاً يراقب، وخلف الصمت معرفة، وخلف كل عبارة مساحة من المعنى. هكذا بدا لي الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، المدير العام لجهاز المخابرات العامة السودانية، خلال أربع محطات جمعتني به في أوقات وظروف مختلفة.

◆ كانت المرة الأولى في مناسبة حزينة، خلال عزاء والدة الأستاذ عادل سنادة بفندق باب اليمن في مدينة بورتسودان. لم يكن اللقاء طويلاً، لكنه ظل في الذاكرة، قبل أن تتكرر المصادفات في مواقع أكثر ارتباطاً بالعمل والحوار.

◆ اللقاء الثاني كان في مكتبه بالعاصمة الإدارية المؤقتة، بورتسودان، واستمر قرابة ساعتين. جلسة منفردة امتدت فيها مساحة الحديث، وكان الإنصات فيها حاضراً بقدر الكلام.

◆ أما اللقاء الثالث، فجاء بعد تحرير العاصمة القومية الخرطوم، داخل مكتبه أيضاً، واستمر قرابة أربع ساعات. وفي مثل هذه الجلسات الطويلة، يتعلم المرء أن بعض الأحاديث لا تقاس بعدد الكلمات، وإنما بما تتركه من أسئلة وانطباعات.

◆ واليوم، التاسع من سبتمبر 2026، جاءت المحطة الرابعة بفندق كانون بحي العمارات، شارع 15، بأرض مقرن النيلين، في لقاء جمع الجنرال مفضل بعدد من الصحفيين.

◆ اللافت هذه المرة كان وصوله على غير المعتاد؛ بلا موكب أمني ظاهر، ولا حراسة مدججة بالسلاح، وإنما برفقة مدير دائرة الإعلام بجهاز المخابرات العامة اللواء عاطف، ومصور فوتوغرافي لتوثيق المناسبة. دخل بهدوء وغادر بالطريقة نفسها، في مشهد يعكس جانباً من التحسن الأمني الذي تشهده الخرطوم، ويؤكد أن العاصمة بدأت تستعيد شيئاً من حياتها الطبيعية.

◆ مفضل من أولئك الذين يجيدون الاستماع كما يجيدون الحديث. ينصت باهتمام، ثم يختار عبارته بعناية، فلا يترك مساحة واسعة للتأويل غير المقصود.

◆ وهذا أمر مفهوم في شخصية ارتبط عملها بالمعلومة الحساسة. فالكلمة عند رجل المخابرات ليست مجرد وسيلة للتعبير؛ قد تكون رسالة، أو إشارة، أو موقفاً محسوباً بدقة.

◆ لذلك ينتقي مفرداته، ويتعامل مع الأسئلة بوعي، ويترك أحياناً جزءاً من الإجابة في ذهن المستمع. وهو أسلوب يجعل الصحفي أمام مهمة أخرى غير النقل: الفهم والتحليل والربط بين التفاصيل.

◆ فالمخابرات تعمل في مساحة مختلفة عن بقية مؤسسات الدولة؛ تراقب المشهد، تقرأ ما وراء الأحداث، وتمسك بملفات لا تحتمل الإفصاح الكامل. وفي زمن الحرب تصبح هذه المسؤولية أكثر تعقيداً، لأن الأمن والمعلومة والقرار تتداخل بصورة أكبر.

◆ في حديثه أمام الصحفيين، تناول الجنرال عدداً من القضايا الكبرى دون الدخول في تفاصيلها. تحدث بما يكفي ليضع العناوين، ثم ترك للصحفيين مهمة البحث عن التفاصيل واستقراء ما بين السطور.

◆ وفي ملف الإعلام، كان حديثه واضحاً في تقديره للدور الذي يؤديه الصحفيون، خصوصاً خلال الحرب. فهو يدرك أن المعركة لا تجري في الميدان وحده، وأن الكلمة يمكن أن تكون سنداً للمعنويات أو سبباً في إرباك المشهد.

◆ ولذلك وجدت عبارته: «نحن في جهاز المخابرات راضون كل الرضا عن أداء الإعلام السوداني» صدى واسعاً داخل القاعة، فقوبلت بالتصفيق والاستحسان.

◆ ثم جاءت عبارته الأخرى: «عازمون على تطهير كل شبر دنسه الأعداء»، فرفعت منسوب الحماس بين الحاضرين، لأنها جاءت مباشرة وقوية ومحمّلة برسالة واضحة بشأن استمرار المعركة حتى نهاياتها.

◆ الاقتصاد كان حاضراً كذلك، ولم يأت ذكره باعتباره ملفاً منفصلاً عن الأمن. أشار الجنرال إلى أن معالجة التشوهات الاقتصادية تمضي نحو غاياتها، وأبدى تفاؤلاً بقرب تعافي الاقتصاد السوداني.

◆ وهي رسالة مهمة في بلد أنهكته الحرب، لأن استعادة الاستقرار لا تكتمل بانتهاء العمليات العسكرية وحدها، وإنما تحتاج إلى اقتصاد قادر على الوقوف من جديد وتلبية احتياجات الناس

◆ وعلى الصعيد الخارجي، تطرق إلى الأوضاع مع دول الجوار والتطورات على الحدود، لكنه حافظ على قدر كبير من التحفظ، ولم يدخل في تفاصيل الملفات الأمنية المعقدة

◆ وربما كان ذلك مقصوداً؛ فهناك معلومات لا تُعلن إلا عندما تكتمل نتائجها. وما لم يقله الجنرال ربما كان أكثر أهمية مما قاله، خاصة في الملفات التي لا تحتمل الاستعجال

◆ وفي نهاية اللقاء، ظهر جانب آخر من شخصيته. أصر على مصافحة الحضور ومعانقتهم فرداً فرداً، وكان ينادي كثيراً منهم بأسمائهم، بمن فيهم بعض الإعلاميين الذين غابوا عن السودان لفترات طويلة، وهو ما كشف عن ذاكرة لافتة.

◆ وعندما وصل إليّ، توقف للحظة وقال أمام الجالسين في الصف الأول: «إنت ابن عمي.. ونحن لحم ودم». كانت عبارة مفاجئة أثارت فضول من كانوا حولي، وكأن السؤال انتقل فوراً من مضمون اللقاء إلى أصل هذه القرابة التي أعلن عنها الجنرال أمام الجميع.

◆ لن أدخل هنا في تفاصيل الأنساب والروابط العائلية، لكن العبارة أضفت على اللقاء الرسمي لحظة إنسانية مختلفة، وكسرت شيئاً من الحواجز التي تفرضها المناصب والمواقع.

◆ أربع مرات التقيت فيها الجنرال مفضل، وفي كل مرة كان المكان مختلفاً والمناسبة مختلفة، لكن القاسم المشترك ظل واحداً: رجل قليل الإسراف في الحديث، دقيق في اختيار عباراته، يعرف متى يتكلم ومتى يترك الصمت يؤدي مهمته.

 

 

◆ وربما كانت صورة اليوم هي الأكثر تعبيراً؛ مدير جهاز المخابرات يجلس مع الصحفيين في الخرطوم دون مظاهر أمنية ثقيلة، يتحدث، يستمع، يصافح الجميع، ثم يغادر بهدوء. مشهد عادي في ظاهره، لكنه يحمل دلالة كبيرة على مدينة تحاول أن تستعيد عافيتها.

◆ وفي الصحافة، ليست قيمة اللقاء في عدد التصريحات التي خرجت منه، وإنما في الأسئلة التي يولدها بعد انتهائه. والجنرال أحمد إبراهيم مفضل ترك اليوم أكثر من تصريح؛ ترك إشارات تستحق القراءة، ورسائل تحتاج إلى التأمل، ومساحات صمت ربما تقول، في توقيتها، أكثر مما تستطيع الكلمات أن تقول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى