اخبار

د.زكي محمد البشير يكتب : القشّة التي قصمت ظهر البعير… كانت بحجم ميناء!

تابعنا على الواتساب لمزيد من الاخبار

                           

رؤيتي د. زكي محمد البشير يكتب : القشّة التي قصمت ظهر البعير… كانت بحجم ميناء!

لم يكن البعير السوداني قليل الصبر؛ فقد حمل من الأثقال ما يجعل أي بعير آخر يتقدم بطلب لجوء إلى حديقة حيوان، مشترطاً ألّا تُعرض عليه نشرة الأخبار! حمل الحروب، والفقر، والوعود، والخطب، ثم طُلب منه أن يحمل فوق ذلك كله «المصالح الاستراتيجية» للآخرين، وأن يبتسم للصورة باعتباره المستفيد الأول!

وفي كل مرة يئنّ، يخرج عليه خبير ليطمئنه: هذه ليست أثقالاً يا عزيزي، هذه فرص!

السودان، في بعض دفاتر الحسابات الإقليمية والدولية، بلد شديد الجاذبية: أرض واسعة، ومياه، ومعادن، وساحل على البحر الأحمر. أما السوداني نفسه، فيبدو أحياناً كأنه تفصيل صغير يمكن نقله إلى هامش الدراسة، تحت بند: «الآثار الاجتماعية التي ستُعالج لاحقاً»!

ومن الفشقة إلى أبو عمامة، يتغير المشهد وتبقى المسألة: كيف تتحول الجغرافيا السودانية إلى قوة لأهلها، بدلاً من أن تصبح دعوة مفتوحة لكل من يحمل خريطة وحاسبة وابتسامة دبلوماسية؟

الفشقة أرض زراعية خصبة تقع داخل الحدود الدولية للسودان، ارتبطت بنزاع طويل حول وجود مزارعين إثيوبيين والسيطرة على الأرض، وشهدت مواجهات بين البلدين. وهذه خلفية تجعل الحديث عنها حديثاً عن الأرض والحدود وحقوق أهلها، قبل أن يكون تمريناً في تحسين عبارات المجاملة.

لكن بعض مدارس الدبلوماسية العجيبة تستطيع تحويل الحقل إلى لغز: المزارع يعرف أرضه، والأرض تعرف صاحبها، ثم تأتي لجنة لتعلن أن الطرفين يحتاجان إلى مزيد من التعارف!

وحين يسأل صاحب الأرض عن حقه، يُنصح بضبط النفس؛ فالموسم الزراعي يمكن أن ينتظر، أما الموسم الدبلوماسي فلا يحتمل إفساد الصور التذكارية!

وعلى البحر الأحمر، برز مشروع أبو عمامة ضمن اتفاق أولي أُعلن في ديسمبر 2022، باستثمارات مقدرة بستة مليارات دولار، شملت ميناءً ومنطقة اقتصادية ومكونات زراعية. ثم أعلن وزير المالية السوداني في نوفمبر 2024 إلغاء الترتيب. هكذا انتقل المشروع من لغة الوعود الاقتصادية إلى قلب الخلاف السياسي.

والمواطن، الذي لم تصله مليارات الإعلان، وصلته كاملةً مليارات الأسئلة: من يقرر؟ ومن يراقب؟ وما حقوق الدولة؟ وما نصيب المجتمعات المحلية؟ وأين العقد الذي يستطيع الناس قراءته قبل أن يُطلب منهم التصفيق له؟

فالرقم الكبير لا يجيب عن السؤال الصغير. وقد تكون عبارة «ستة مليارات» رائعة على المنصة، لكنها لا تُغني عن معرفة من يمسك بمفتاح البوابة!

الميناء باب البلاد إلى العالم، والاستثمار فيه يحتاج إلى حساب واضح. ومن حق المستثمر أن يبحث عن الربح، ومن واجب المسؤول أن يبحث عن مصلحة شعبه. تبدأ المشكلة حين يصل المستثمر ومعه فريق قانوني يعرف ما يريد، ويصل المسؤول ومعه فريق إعلامي يعرف ماذا يقول!

أما «التقاطعات الإقليمية»، فهي الاسم الأنيق لزحام المصالح فوق ظهر البعير. هذا يريد منفذاً، وذاك يريد نفوذاً، وثالث يريد موقعاً في المنافسة، ورابع يشرح للسودان أين تكمن مصلحته، بثقة رجل اكتشف أن مصلحته الشخصية تقيم في العنوان نفسه!

ولا يلزم افتراض مؤامرة موحدة لفهم المشهد؛ فالدول تتنافس، والمصالح تتزاحم، وضعف الداخل يمنح الخارج قدرة أكبر على المساومة. وإذا عجز أهل البيت عن الاتفاق على إدارة الباب، فلا عجب أن يكثر الواقفون أمامه ومعهم نسخ مقترحة للمفتاح.

المفارقة أن بعض نخبنا ترفع السيادة في الخطب، ثم تخفض صوتها حين تُطلب تفاصيل العقود. وبعضها يستقبل كل عرض استثماري كأنه هدية عيد، قبل أن يقرأ البطاقة المرفقة: «تُطبّق الشروط والأحكام»!

السودان يحتاج إلى الاستثمار، وإلى علاقات مستقرة مع جيرانه، وإلى أبواب مفتوحة للعالم. ويحتاج، بالقدر نفسه، إلى مؤسسات تفاوض بكفاءة، وعقود معلنة، ورقابة مستقلة، وحماية للأرض، ومشاركة لأهل المناطق الذين يعيشون النتائج بعد انفضاض مراسم التوقيع.

والفشقة وأبو عمامة ملفان مختلفان، لكنهما يضعان أمامنا امتحاناً واحداً: هل نُحسن إدارة مواردنا وحدودنا وموقعنا، أم نكتفي بإلقاء قصائد عن قيمتها؟

لقد تعب البعير من حمل الأثقال التي تُسمّى فرصاً، ومن سماع الوعود التي تُسمّى إنجازات. والقشّة التي تقصم ظهره قد تكون صغيرة، لكن ما سبقها لم يكن كذلك.

فارفقوا بظهر السودان؛ فقد حمّلتموه ما يكفي.

**وقبل أن تسألوا: من كسر ظهر البعير؟ افتحوا دفاتر الحمولة… فقد تجدون أن القشّة الأخيرة كانت بحجم ميناء! **

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى