
مرفأ الكلمات
عثمان عولي
السودان يغلي في قدر الفول
ليس غريباً أن يصبح الفول، ذلك الطعام الذي ارتبط بالمائدة السودانية وببساطة الحياة اليومية، عنواناً لنقاش اقتصادي كبير. فحين ترتفع أسعار الفول، لا يتوقف الأمر عند وجبة الإفطار، وإنما يمتد أثره إلى ميزانية الأسرة، وإلى الأسواق، وإلى القدرة الشرائية للمواطن، بل وإلى أسئلة أكبر حول السياسات الاقتصادية للدولة وكيفية إدارة الإنتاج والاستيراد والأسواق.
ومن هذا المنطلق، فإن قرار الحكومة بحظر استيراد الفول المصري يمكن النظر إليه، من الناحية الاقتصادية، باعتباره قراراً في الاتجاه الصحيح من حيث المبدأ؛ لأن حماية المنتج المحلي ليست ترفاً اقتصادياً، وإنما سياسة تتبعها دول كثيرة عندما تكون لديها القدرة على إنتاج السلعة محلياً.
فالدولة التي تمتلك أرضاً زراعية وإمكانات إنتاجية قادرة على توفير احتياجات مواطنيها، من المنطقي أن تعمل على تشجيع المزارع السوداني، وحماية محصوله، وتقليل استنزاف النقد الأجنبي في استيراد سلعة يمكن إنتاجها داخل البلاد.
لكن المشكلة ليست دائماً في القرار نفسه، وإنما في كيفية تنفيذ القرار وإدارة نتائجه.
هنا تبدأ الحكاية.
إذا كانت الحكومة قد قررت وقف استيراد الفول لحماية الإنتاج المحلي، فكان من الأفضل اقتصادياً أن تتقدم خطوة أخرى، وأن تدخل الدولة إلى السوق كمشترٍ استراتيجي، فتشتري الإنتاج المحلي بأسعار عادلة ومعلنة، ثم تعمل على تنظيم توزيعه وتسويقه، وبعدها تُغلق باب الاستيراد أو تحد منه وفقاً لحجم الإنتاج المحلي وحاجة السوق.
بهذه الطريقة تكون الدولة قد حققت معادلة متوازنة:
المزارع يبيع، والمواطن يجد السلعة، والتاجر يربح ربحاً مشروعاً، والدولة توفر العملة الصعبة.
أما أن يتوقف الاستيراد بينما تترك السوق بالكامل أمام المضاربات، فإن المواطن قد يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع جشع بعض التجار وتجار الأزمات، فتتحول حماية المنتج المحلي من سياسة اقتصادية مطلوبة إلى أزمة معيشية يدفع ثمنها المواطن.
وهنا يجب أن نفرق بين التاجر الوطني الذي يؤدي دوره في الاقتصاد، وبين من يستغل الأزمات لرفع الأسعار وتحقيق أرباح استثنائية على حساب المواطن.
نحن لا نحتاج إلى محاربة التجار، وإنما نحتاج إلى تنظيم السوق ومحاربة الاحتكار والمضاربة.
فالتاجر جزء من الدورة الاقتصادية، والمزارع جزء منها، والمستهلك هو قلبها، والدولة هي الجهة التي ينبغي أن تضع القواعد التي تضمن ألا يتحول أحد أطراف هذه المعادلة إلى ضحية للطرف الآخر.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل نحن أمام سياسة لحماية الإنتاج المحلي، أم أمام سوق تُترك فيه السلعة لمن يملك القدرة على تخزينها والتحكم في سعرها؟
وهنا أعود إلى قضية أكبر تتعلق بعلاقة الحكومة بالتجار.
لقد شهدت الفترة الماضية قرارات وإجراءات هدفت إلى تخفيف الأعباء على القطاع التجاري، من بينها وقف أو تخفيف بعض الرسوم المحلية والضرائب في فترات معينة، وهي إجراءات يمكن تفهم دوافعها عندما تكون الدولة حريصة على عدم زيادة تكلفة السلع على المواطن.
لكن تخفيف الأعباء عن التاجر يجب أن يقابله التزام واضح منه تجاه الدولة والمجتمع.
فالحرب التي يخوضها السودان ليست معركة الجيش وحده، وإنما معركة دولة ومجتمع واقتصاد. والتاجر الوطني له سهم في معركة الكرامة، ليس بالسلاح، وإنما بالالتزام، وبالعمل، وبالمساهمة في استقرار السوق، وبالقبول بهامش ربح معقول عندما تكون البلاد في أزمة.
لا يمكن أن تكون المعادلة دائماً:
الدولة تتنازل، والتاجر يرفع السعر، والمواطن يدفع الفاتورة.
هذه معادلة غير عادلة اقتصادياً ولا اجتماعياً.
نحن بحاجة إلى معادلة جديدة تقوم على تبادل المنفعة والمسؤولية: تخفيف مدروس للأعباء عندما تقتضي الضرورة، مقابل التزام التجار بالأسعار العادلة، والابتعاد عن الاحتكار، وتسديد المستحقات للدولة، والمساهمة في دوران عجلة الاقتصاد.
وفي المقابل، على الحكومة نفسها أن تتحمل مسؤوليتها كاملة.
لا يكفي أن تصدر قراراً بمنع الاستيراد ثم تترك المواطن يواجه السوق وحده.
الحكومة مطالبة ببناء منظومة متكاملة تبدأ من المزارع وتنتهي بالمستهلك: تمويل الإنتاج، توفير المدخلات الزراعية، شراء المحاصيل، التخزين الاستراتيجي، النقل، التوزيع، الرقابة على الأسواق، ومحاربة الاحتكار.
فالاقتصاد لا يُدار بالقرارات المنفردة، وإنما بسلسلة مترابطة من السياسات.
والفول هنا ليس مجرد فول.
إنه نموذج مصغر لما ينبغي أن تكون عليه السياسة الاقتصادية في السودان: ننتج أولاً، نحمي المنتج، نضبط السوق، نحافظ على النقد الأجنبي، ونضمن في الوقت نفسه وصول السلعة إلى المواطن بسعر يستطيع تحمله.
السودان يمتلك الأرض والمياه والخبرة الزراعية، ويمتلك شعباً عرف الزراعة والتجارة والإنتاج عبر أجيال. وما نحتاجه اليوم هو إدارة هذه الموارد بعقل اقتصادي بعيد عن ردود الأفعال.
فإذا أردنا اقتصاداً قوياً، علينا أن ننتقل من اقتصاد الأزمة إلى اقتصاد الإنتاج.
وإذا أردنا أن ينتصر السودان في معركة الكرامة، فلا بد أن تنتصر معه المزرعة والمصنع والسوق والمستهلك.
أما قدر الفول الذي يغلي الآن، فالمطلوب ألا نكتفي بالنظر إلى النار، بل أن نعرف من الذي وضع القدر، ومن الذي أشعل النار، ومن الذي سيدفع ثمنها.
وفي النهاية، فإن حماية المنتج الوطني قرار اقتصادي محترم، لكن حماية المواطن هي الغاية الأولى لكل قرار اقتصادي.
فليكن الفول سودانياً… وليكن سعره في متناول السوداني.













