اخبار

د. زكي محمد البشير يكتب : مراعاة حقوق الآخرين… طريق الإنسان من وهدة الزمن إلى رحابة الوطن

تابعنا على الواتساب لمزيد من الاخبار

                           

رؤيتي | MY VISION

### مشروع التعافي الوطني

مراعاة حقوق الآخرين… طريق الإنسان من وهدة الزمن إلى رحابة الوطن

بقلم: د. زكي محمد البشير الأمين

ليست الأوطان مجرد أرضٍ نسكنها، ولا حدودٍ نحرسها، ولا موارد نتقاسم خيراتها، بل هي منظومة من الحقوق والواجبات، وشبكة من العلاقات الإنسانية التي إن صلحت صلح البنيان، وإن تصدعت تهاوت أركانه، مهما علت جدرانه واشتدت أعمدته.

وما أشد حاجة السودان اليوم إلى مشروع وطني للتعافي، لا يبدأ من إعادة تشييد المباني وحدها، وإنما من إعادة بناء الإنسان، وترميم الثقة، وإحياء الضمير، ورد الحقوق إلى أهلها، وإرساء العدل بين أبناء الوطن الواحد.

إن مراعاة حق الغير ليست تفضلاً يمنحه القوي للضعيف، ولا منّة يتكرم بها الغني على الفقير، بل هي أصل من أصول الاستقرار، وقاعدة من قواعد العمران، وركيزة من ركائز السلام الاجتماعي.

فحينما يعتدي الإنسان على حق أخيه في الأرض أو الماء أو المال أو فرص العمل أو الموارد العامة، فإنه لا يسلبه مورداً فحسب، بل يسلبه الطمأنينة، ويزرع في نفسه المرارة، ويفتح في جدار المجتمع ثغرة قد تتسع حتى تصبح شرخاً يصعب التئامه.

وما الحروب في بعض جذورها إلا حقوق أُهدرت، ومظالم تراكمت، ومصالح استأثرت بها فئات دون أخرى، حتى ضاقت النفوس بما رحبت به الأرض.

### حين تتحول الموارد من نعمة إلى نقمة

لقد أنعم الله على السودان بأرض واسعة، ومياه جارية، وثروات كامنة، وطاقات بشرية قادرة على صناعة النهضة. غير أن وفرة الموارد لا تصنع الرفاه ما لم يصحبها عدل في التوزيع، ورشد في الإدارة، ونزاهة في التصرف.

فالمشكلة ليست دائماً في قلة ما نملك، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها مع ما نملك.

حين يستأثر البعض بخيرات الوطن، ويُحرم آخرون من أبسط حقوقهم، تتولد الضغوط النفسية والاجتماعية، وتتعاظم مشاعر الغبن، وتضعف الثقة في المؤسسات، ويصبح التنافس على الموارد صراعاً بدلاً من أن يكون تعاوناً.

وهنا تبدأ رحلة الانحدار من مجتمع يتكافل أفراده إلى مجتمع يتنازع أهله، ومن وطن تسنده المحبة إلى وطن تنهكه الخصومة.

### التعافي الوطني يبدأ من ضمير الإنسان

إن مشروع التعافي الوطني الذي ننشده لا ينبغي أن يكون مجرد برنامج سياسي أو اقتصادي عابر، بل مشروعاً أخلاقياً واجتماعياً وتنموياً شاملاً، يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين المواطن ومؤسسات الدولة.

نحتاج إلى ثقافة جديدة تجعل احترام حقوق الآخرين سلوكاً يومياً، وتجعل مراعاة ظروف المحتاج فضيلة، وإنصاف المظلوم واجباً، والتنازل عن الأنانية شجاعة، والتعاون على الخير مسؤولية مشتركة.

نحتاج أن نسأل أنفسنا قبل أن نطالب بحقوقنا: هل أدينا واجباتنا؟ وقبل أن نلوم الآخرين: هل أنصفناهم؟ وقبل أن نبحث عن نصيبنا من موارد الوطن: هل حرصنا على ألا نحرم غيرنا من نصيبه؟

فالوطن الذي يتسع للجميع لا يُبنى بعقلية الاستحواذ، وإنما بروح المشاركة، ولا ينهض بثقافة الإقصاء، وإنما بقيم الإنصاف والإخاء.

### تخفيف الضغوط… مسؤولية المجتمع والدولة

إن الإنسان الذي أثقلته أعباء المعيشة، وأرهقته النزاعات، وأوجعته الخسارات، لا يحتاج إلى الخطب وحدها، بل يحتاج إلى من يخفف عنه وطأة الحياة، ويحفظ كرامته، ويصون حقه في العيش الكريم.

وهذا يقتضي أن تتحول قيم التكافل إلى سياسات عادلة، وأن تُدار الموارد العامة بشفافية، وأن تُفتح فرص الإنتاج والعمل أمام الجميع، وأن تُحمى الفئات الضعيفة من الاستغلال والحرمان.

كما يتطلب إحياء روح المبادرات المجتمعية والمشروعات التعاونية التي تجمع الناس حول المصالح المشتركة، وتجعل من الموارد جسوراً للتواصل بدلاً من أن تكون أسباباً للتنازع.

وليس تخفيف الضغوط النفسية والاجتماعية ترفاً في زمن الأزمات، بل ضرورة لحماية النسيج الوطني من التفكك، وإعادة الثقة بين الناس، وتهيئة البيئة المناسبة للمصالحة والإعمار.

### من التعافي الفردي إلى التعافي الوطني

لا يمكن أن يتعافى الوطن إذا ظل الإنسان أسيراً للغل والحقد والأنانية، كما لا يمكن أن يستقيم المجتمع إذا تحولت المصلحة الخاصة إلى معول يهدم المصلحة العامة.

إن التعافي الحقيقي يبدأ حين يدرك كل فرد أن سعادته لا تكتمل بشقاء الآخرين، وأن نجاحه لا ينبغي أن يقوم على حرمان غيره، وأن قوته لا تُقاس بمقدار ما يستحوذ عليه، وإنما بمقدار ما يستطيع أن يضيفه إلى حياة الناس.

ومن هنا فإن مشروع التعافي الوطني يقوم على خمس ركائز متكاملة: العدل الذي يرد الحقوق، والتسامح الذي يرمم العلاقات دون أن يلغي المحاسبة، والتكافل الذي يخفف المعاناة، والإنتاج المشترك الذي يحارب الفقر، والحكم الرشيد الذي يحمي الموارد من الفساد والاستئثار.مرحبا 

ولا تكتمل هذه الركائز إلا بمؤسسات عادلة، وقانون يسري على الجميع، وإرادة مجتمعية تؤمن بأن المصير المشترك أكبر من المصالح الضيقة.

### السودان الذي نريد

نريد سوداناً لا يُظلم فيه إنسان لأنه ضعيف، ولا يُحرم فيه مواطن لأنه بعيد، ولا تُحتكر فيه الموارد لأن البعض أقرب إلى السلطة أو النفوذ.

نريد وطناً يكون فيه الغني سنداً للفقير، والقوي عوناً للضعيف، والمسؤول خادماً للمواطن، وتكون فيه الموارد ملكاً للأمة لا غنيمة لفئة.

نريد أن ننتقل من ثقافة المطالبة بالحقوق دون أداء الواجبات، إلى ثقافة التوازن بين الحق والمسؤولية، ومن عقلية المكاسب الفردية إلى روح المصالح الوطنية المشتركة.

فما أحوجنا إلى أن نعيد الاعتبار للحكمة السودانية الأصيلة، التي كانت تجعل من الجار سنداً، ومن القريب عضداً، ومن الغريب ضيفاً مكرماً، ومن التعاون قيمة تتجاوز اختلاف القبائل والجهات والانتماءات.

### كلمة أخيرة… رؤيتي

إن الخروج من وهدة الزمن لا يكون بالشكوى من قسوته، ولا بالاستسلام لجراحه، وإنما بصناعة واقع جديد تتقدم فيه الرحمة على القسوة، والعدالة على الظلم، والمصلحة العامة على الأنانية.

فلنرد الحقوق قبل أن نطالب بالصلح، ولنرفع المظالم قبل أن ندعو إلى التسامح، ولنزرع الثقة قبل أن ننتظر حصاد الاستقرار.

ولنجعل من مشروع التعافي الوطني عهداً جديداً بين أبناء السودان، عنوانه أن نحفظ لبعضنا الحقوق، ونخفف عن بعضنا الأعباء، ونتشارك في الموارد والفرص، ونختلف دون أن نتخاصم، ونتنافس دون أن نتظالم.

فليس التعافي أن نصمت عن الألم، بل أن نعالج أسبابه، وليس السلام أن تتوقف أصوات البنادق فحسب، بل أن تتوقف معها مظالم الإنسان لأخيه الإنسان.

وطنٌ تُصان فيه الحقوق، تُحفظ فيه الكرامة، وتُتقاسم فيه الفرص بعدالة، هو وطن قادر على النهوض مهما اشتدت عليه المحن.

وما بين وطن أرهقته الصراعات، ووطن ننشده عامراً بالعدل والسلام، تقف إرادتنا نحن السودانيين؛ فإما أن نجعل من جراح الأمس بذوراً لغدٍ أفضل، وإما أن نترك للأجيال القادمة ميراثاً من الخصومات والآلام.

تلك رؤيتي… أن يتعافى الإنسان أولاً، حتى يتعافى السودان كله.

رؤيتي | My Vision

مشروع التعافي الوطني — نحو إنسان متصالح، ومجتمع متكافل، ووطن يسع الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى