
العمدة وشيخ العرب الطيب محمد بابكر شنيبو
رحل الجسد وبقي الأثر
بقلم ✍️ احمد بابكر شنيبو
بقلوب يعتصرها الألم، ونفوس يثقلها الحزن، وعيون تفيض بدموع الفراق، ننعى اليوم رجلا لم يكن رحيله فقدا لأسرة أو قبيلة فحسب، بل كان فقدا لمنطقة بأكملها، ولمجتمع عرف فيه بالأب والأخ والصديق، والزعيم الذي يلجأ إليه الناس في الشدائد، وشيخ العرب الذي يجمع ولا يفرق، ويصلح ولا يفسد.
قال الله تعالى:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
صدق الله العظيم. [سورة البقرة: 155–157]
في صبيحة يوم السبت الموافق 17 أكتوبر 2026م، وصلنا الخبر الذي لم نكن نتصور يوما أن نسمعه؛ رحيل شيخ العرب والعمدة/ الطيب محمد بابكر شنيبو إلى الدار الآخرة. كان الخبر صادما وثقيلا على النفوس، حتى وقف الناس بين مصدق ومكذب، وكأن العقول تأبى أن تستوعب غياب رجل ظل حاضرا بيننا في كل يوم، بصوته المألوف، وكلماته الطيبة، ودعواته الصادقة التي كانت تبعث الطمأنينة في القلوب.
كيف لنا أن نصدق رحيل رجل اعتدنا أن نسمع صوته باستمرار خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فلا يكاد يمر يوم دون أن يصدح بعبارته المحببة: « أعوذ بالله، والصلاة والسلام على رسول الله، وربنا يردكم غانمين مبسوطين مستبشرين ». وكيف لنا أن ننسى دعواته المتكررة للراحلين، حين كان يقول: « ربنا يرحمنا نحن ذاتو إذا عدنا إليهم».
اليوم، وبعد أن غاب صوته، أدركنا كم كانت تلك الكلمات جزءا من تفاصيل أيامنا، وكم كان حضوره يمنحنا شعورا بالألفة والاطمئنان. لقد رحل الرجل الذي ألفنا صوته، واعتدنا دعاءه، وانتظرنا كلماته، فترك في نفوسنا فراغا لا تملؤه الأيام، ووجعا لا تصفه الكلمات. رحمك الله يا عمدة، فما أصعب أن يصبح الصوت الذي اعتدنا سماعه ذكرى، وأن يتحول الحضور الذي ألفناه إلى حكايات نستعيدها بدموع الحنين.
إن رحيل العمدة وشيخ العرب الطيب شنيبو ليس فقدا عاديا، بل هو فقد قامة عظيمة ورجل استثنائي يصعب أن يجود الزمان بمثله. فقد كان أبا للجميع، وأخا للصغير والكبير، وصديقا للقريب والبعيد، وظل على تواصل مع الناس في مختلف أنحاء العالم، حاضرا في أفراحهم وأتراحهم، مشاركا لهمومهم، ومبادرا بالسؤال عن أحوالهم، حتى أصبح جزءا أصيلا من حياتهم اليومية.
فشيخ العرب جمع الناس على المحبة والخير
كان الفقيد شيخ عرب بحق وحقيقة، وزعيما بالفطرة، ورمزا من رموز الإدارة الأهلية في السودان، وقائدا مجتمعيا عرفه الناس بالحكمة والشهامة والمروءة. لم تكن مكانته مستمدة من لقبه وحده، بل من مواقفه، وطيب معشره، وصدق كلمته، وقدرته على جمع الناس وتوحيد صفوفهم.
كان بابه مفتوحا للجميع، وقلبه متسعا للقاصي والداني، وكلمته حاضرة في مواطن الخلاف والإصلاح. عاش ساعيا في الخير، حريصا على لم الشمل، وإصلاح ذات البين، وإطفاء نار الفتن، وتقريب وجهات النظر بين الناس. وكان ملجأ للمحتاجين، وسندا للمكروبين، ووجها مألوفا تبعث رؤيته الطمأنينة في النفوس.
برحيله، فقدت المنطقة واحدا من أعمدتها الراسخة، وفقدت القبيلة صوتا حكيما وركنا متينا من أركانها، وفقد المجتمع رجلا كانت له مكانته في النفوس قبل المجالس، وفي القلوب قبل المناصب. وما أقسى أن نفتقد رجلا اعتدنا أن نجده حاضرا كلما احتجنا إلى كلمة طيبة، أو موقف شجاع، أو رأي حكيم.
فمواقفه لا تنسى وسيرته ستظل حاضرة.
لقد كان العمدة الطيب شنيبو رجلا لا يعرف التراجع أمام المسؤولية، ولا يتردد حين يتعلق الأمر بالواجب والمواقف الوطنية. وفي معركة الكرامة، كان من الداعمين للقوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها، وظل يدعو لها بالنصر والتوفيق في أحاديثه ومجالسه.
ظل العمدة وشيخ العرب الطيب محمد بابكر شنيبو ثابتا في منطقته طوال فترة الحرب، لم يتزحزح عنها رغم جسامة المخاطر وشدة الظروف، متمسكا بأرضه ومواقفه، وملازما لأهله وناسه في أحلك الأوقات، مجسدا بذلك معاني الشجاعة والثبات والوفاء والانتماء.
ولا أنسى موقفه حين خاطب قيادة المقاومة الشعبية بمحلية القطينة، معبرا عن استعداده للوقوف إلى جانبهم، قائلا بما يعكس شجاعته وروحه الوطنية: « فإنني جاهز لو أمسك الدوشكا، فقط حراسة، أنا جاهز ».
لم تكن تلك الكلمات مجرد حديث عابر، بل كانت تعبيرا عن شخصية عرفت بالثبات والوفاء والاستعداد لتحمل المسؤولية. فقد كان يؤمن بأن الرجال تعرف بمواقفها، وأن خدمة الوطن والمجتمع مسؤولية لا تسقط بالتقادم.
ومن المواقف التي تظل شاهدة على شجاعته وإقدامه، أنه كان من أوائل الذين عملوا في نقل البضائع باللواري عبر مناطق غرب وجنوب السودان، في زمن كانت فيه طرق السفر محفوفة بالمخاطر، وكان كثيرون يترددون في خوض تلك الرحلات. لكنه مضى بثبات وعزيمة، لا تضعفه المخاوف ولا تثنيه الصعاب، فكان مثالا للرجل الذي يشق طريقه بالإقدام والصبر والتوكل على الله.
فرحيله ترك غصة في القلوب وفراغا لا يعوض.
إن الفراق موجع في كل الأحوال، لكنه يصبح أشد قسوة حين يكون الراحل رجلا اعتدنا وجوده، واستأنسنا بصوته، ووجدنا في حضوره معنى للأمان والانتماء. فما أصعب الأيام التي تمر بعد رحيل الأحبة، وما أثقل المجالس التي يغيب عنها من كانوا يمنحونها الحياة، وما أقسى أن نبحث عن صوت ألفناه فلا نجد إلا صدى الذكريات.
برحيل شيخ العرب والعمدة الطيب شنيبو، لا تفقد أسرته وحدها أباها وسندها، ولا تفقد قبيلته وحدها شيخها وزعيمها، بل تفقده القرى والربوع وكل من عرفه أو تعامل معه أو سمع عنه. فقد كان رجلا تتجاوز محبته حدود المكان، وتتسع علاقاته لتشمل الناس على اختلاف مواقعهم وانتماءاتهم.
رحل جسدا، لكن سيرته باقية، وغاب وجهه عن مجالس الدنيا، لكن مواقفه ستظل حاضرة في ذاكرة من عرفوه. ستبقى كلماته تتردد في الآذان، وستظل مواقفه تروى للأجيال، وستبقى ذكراه شاهدة على أن قيمة الإنسان الحقيقية لا تقاس بما يملك، بل بما يتركه من محبة وأثر طيب في حياة الآخرين.
إن غياب قامة بهذا الحجم يمثل ثلمة كبيرة في جدار المجتمع، وفقدا يصعب تعويضه، غير أن عزاءنا في هذا المصاب الجلل هو ما تركه الفقيد من سيرة عطرة، ومواقف نبيلة، وأعمال خير، وذكريات ستظل حية في قلوب محبيه.
رحمك الله يا شيخ العرب والعمدة الطيب شنيبو
يا من كنت أبا للجميع، وملاذا في الشدائد، وصوتا يجمع ولا يفرق، وقلبا يتسع للناس دون استثناء.
رحمك الله بقدر ما منحت من محبة، وبقدر ما سعيت في الخير، وبقدر ما أصلحت بين الناس، وبقدر ما تركت من أثر طيب في النفوس. نسأل الله أن يجعل كل كلمة خير قلتها، وكل خصومة أصلحتها، وكل محتاج وقفت إلى جانبه، وكل عمل صالح قدمته، في ميزان حسناتك.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأنر له فيه، وآنس وحشته، واجزه عن أهله وقبيلته ومجتمعه خير الجزاء.
اللهم اجعل ما قدمه من خير وفضل وإصلاح شفيعا له، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في أهله ومحبيه بخير، واربط على قلوبهم، وألهمهم الصبر والسلوان.
رحل العمدة، وغاب شيخ العرب، وانطفأ صوت ألفناه، لكن الأثر الطيب لا يموت، والسيرة العطرة لا تغيب، والرجال العظام لا ترحل ذكراهم برحيل أجسادهم.
رحمك الله يا العمدة وشيخ العرب الطيب شنيبو، رحمة واسعة، وجعل الفردوس الأعلى دارك ومستقرك، وجمعنا بك في مستقر رحمته.
إنا لله وإنا إليه راجعون.












