منوعات

نجلاء كرار تكتب : الفرق بين توضيح الذات… وتشويه الآخرين

تابعنا على الواتساب لمزيد من الاخبار

                           

متابعات: مرصد السودان 

الفرق بين توضيح الذات… وتشويه الآخرين

بقلم : نجلاء كرار

أحيانًا يتحوّل توضيح الذات إلى فعلٍ دفاعيٍّ مشروع،

وأحيانًا أخرى يُستَخدم كغطاءٍ لتشويه الآخرين.

في الفضاء العام، يصبح الخيط بين الأمرين رفيعًا إلى حدّ الالتباس. فليس كل من كتب توضيحًا كان مضطرًا إليه، وليس كل من رفع صوته كان صادقًا في مقصده. هناك فرق جوهري بين من يشرح موقفه احترامًا لعقله وعقول الآخرين، ومن يستخدم “التوضيح” كمنصّة لإعادة تعريف ذاته عبر نفي غيره.

توضيح الذات، في صورته الصحية، فعل بسيط.

يصدر عن صاحبه، دون انفعال، دون أسماء، ودون حاجة لتصنيف الآخرين أو التشكيك في نواياهم. لا يحتاج جمهورًا واسعًا، ولا يبحث عن تصفيق. هو أقرب إلى ترتيب الداخل منه إلى مخاطبة الخارج.

أما حين يتحوّل التوضيح إلى استعراض، فغالبًا ما يفقد جوهره.

يبدأ الأمر بنفي، ثم يتدرّج إلى اتهام، ثم ينتهي بتشويه صريح أو مبطّن. تُستدعى التصنيفات الجاهزة بدل الأفكار، وتُستخدم اللغة كسلاح لا كجسر. في هذه اللحظة، لا يعود الهدف هو توضيح الذات، بل تثبيت صورة عبر إزاحة صورة أخرى.

المفارقة أن أكثر الناس حاجة لإعلان “استقلالهم” أو “نقائهم” هم غالبًا الأقل تصالحًا مع ذواتهم. فالثقة لا تصرخ، واليقين لا يهاجم. من يعرف موقعه، لا يخشى وجود الآخرين، ولا يحتاج إلى محوهم ليبقى.

وفي زمن وسائل التواصل، تضاعفت هذه الظاهرة.

صار الضوء غاية في حد ذاته، وصار الظهور شرطًا للشعور بالوجود. بعض الأصوات لا تطمئن إلا وهي محاطة بالضجيج، ولا تشعر بذاتها إلا وهي تشير إلى خصم، حقيقيًا كان أم متخيّلًا. نسأل الله لهم سلامًا داخليًا يغنيهم عن هذا العناء.

الفرق بين توضيح الذات وتشويه الآخرين،

هو الفرق بين من يحترم عقله… ومن يطلب التصفيق.

وبين من يرى الاختلاف مساحة حوار، ومن يراه تهديدًا يجب إلغاؤه.

أما الصمت، في بعض اللحظات، فليس ضعفًا ولا هروبًا.

هو اختيار أخلاقي،

وإعلان هادئ بأن الضجيج لا يستحق دائمًا ردًا.

نجلاء كرار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى