
د. شذى الشريف القيادية بالحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل تكتب :
الهجرة والتعافي الوطني.. قراءة في خطاب السيد جعفر الميرغني نائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل رئيس الكتلة الديمقراطية
يطل علينا العام الهجري الجديد 1448هـ، حاملاً في طياته ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، تلك المحطة العظيمة التي لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى مكان، بل كانت تحولاً من واقع الأزمة إلى أفق البناء، ومن ضيق الفرقة إلى رحابة الوحدة، ومن حالة الاستضعاف إلى مشروع الدولة والاستقرار.
وفي ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، جاءت كلمة السيد جعفر الميرغني بمناسبة العام الهجري الجديد لتتجاوز حدود التهنئة التقليدية، ولتحمل مضامين سياسية ووطنية وإنسانية عميقة، يمكن النظر إليها باعتبارها دعوة صادقة لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية والانتصار لمشروع التعافي والسلام.
لقد أدرك الخطاب جوهر الأزمة السودانية، فلم يتوقف عند مظاهرها السياسية والعسكرية فحسب، وإنما توجه إلى جذورها الاجتماعية والنفسية والإنسانية. فالحروب لا تدمر المدن والبنى التحتية وحدها، بل تترك جراحاً عميقة في الوجدان الوطني، وتزرع مشاعر الإحباط والانقسام والكراهية. ومن هنا جاءت دعوته الواضحة إلى تجاوز مرارات الماضي والتطلع نحو المستقبل بروح وطنية مسؤولة.
إن السودان اليوم في حاجة إلى خطاب يجمع ولا يفرق، يداوي ولا يجرح، ويبني الجسور بين أبنائه بدلاً من إقامة المتاريس بينهم. وهذا ما بدا جلياً في الرسائل التي حملها الخطاب، والتي أكدت أن الوطن أكبر من خلافاتنا، وأن وحدة السودان واستقراره يجب أن تظل الهدف الذي تتراجع أمامه جميع الحسابات الأخرى.
ومن المعاني المهمة التي حملها الخطاب تأكيده على قيمة السلام بوصفه الخيار الاستراتيجي الذي لا غنى عنه. فالسلام ليس مجرد توقف لإطلاق النار، وإنما هو مشروع وطني متكامل يعيد بناء الثقة بين السودانيين، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية والعدالة والمشاركة السياسية الواسعة.
كما أن الخطاب جاء منسجماً مع جوهر فكرة الحوار السوداني السوداني، القائمة على أن الحلول المستدامة لا تُفرض من الخارج، وإنما تُصنع عبر التوافق الوطني والإرادة الحرة لأبناء السودان. فالتجارب أثبتت أن الاتفاقات التي لا تستند إلى قاعدة وطنية واسعة تظل معرضة للاهتزاز، بينما يبقى الحوار الشامل هو الطريق الأكثر أمناً نحو بناء دولة مستقرة وقادرة على مواجهة تحدياتها.
ولعل أكثر ما يميز الخطاب أنه أعاد الاعتبار لقيمة التسامي فوق الجراح. فالأمم التي تمر بالحروب لا تخرج من أزماتها بالانتقام وتبادل الاتهامات، وإنما بالاعتراف بالمعاناة المشتركة والعمل على تجاوزها. والتعافي الوطني لا يبدأ من المؤسسات فقط، بل يبدأ من النفوس والعقول، عندما تنتصر إرادة البناء على رغبة الهدم، وتعلو لغة الحكمة على ضجيج الصراع.
إن دروس الهجرة النبوية تعلمنا أن أعظم التحولات تبدأ بفكرة، وأن أقوى المشروعات الوطنية تنطلق من الإيمان بالقدرة على تجاوز المحن. واليوم، والسودان يواجه واحدة من أكثر مراحله تعقيداً، فإن الحاجة تزداد إلى خطاب وطني جامع يبعث الأمل ويؤسس للتوافق ويستنهض طاقات الشعب نحو المستقبل.
من هنا، فإن خطاب السيد جعفر الميرغني يمثل مساهمة إيجابية في تعزيز ثقافة الحوار والتسامح والتعافي الوطني، ويفتح الباب أمام نقاش جاد حول كيفية الانتقال من مرحلة الحرب والانقسام إلى مرحلة السلام والاستقرار وإعادة البناء.
وفي هذا العام الهجري الجديد، يبقى الأمل قائماً بأن يستلهم السودانيون من الهجرة النبوية معاني الوحدة والصبر والعمل المشترك، وأن يجعلوا من الحوار جسراً للعبور نحو وطن يسع الجميع، وطنٍ يتجاوز جراحه، ويستعيد عافيته، ويستأنف مسيرته نحو المستقبل.
وكل عام والسودان أكثر أمناً ووحدةً وسلاماً.













