اخبار

الخليفة عمر عبدالعزيز البدوي يكتب : التاريخ يُعيد نفسه: رايةٌ لا تسقط وإيمان بالوطن لا يموت

تابعنا على الواتساب لمزيد من الاخبار

                           

التاريخ يُعيد نفسه: رايةٌ لا تسقط وإيمان بالوطن لا يموت

بقلم: الخليفة عمر عبدالعزيز البدوي

للأوطان لحظاتٌ فاصلةٌ تُولد فيها الأمم أو تكاد تزول، وللبيوت الكبيرة في تلك اللحظات رجالٌ يقيّضهم الله لها، فيقفون حيث تتهيّب الأقدام، ويحملون الأمانة حين تثقل على الأكتاف. وما أعجبَ أن يُعيد التاريخ مشهده على ذات البيت، فيُخرج من صُلبه في كلّ منعطفٍ من يصون الدولة ويحرس وحدتها. هكذا وقف مولانا السيد علي الميرغني في فجر الاستقلال، وهكذا يقف اليوم حفيده السيد جعفر الصادق الميرغني في زمن الذَّود عن بقاء الدولة.

يوم كان السودان يتلمّس طريقه إلى الحرية، وتتجاذبه الأهواء والولاءات، نهض السيد علي الميرغني — زعيم الطريقة الختمية وكبير بيت الميرغنية — يحمل صوت الناس وتطلّعهم إلى وطنٍ حرٍّ موحّد. وفي الأول من ديسمبر سنة خمسٍ وخمسين، قُبيل الاستقلال بأيام، جمع التاريخُ السيدين: السيد علي الميرغني والسيد عبد الرحمن المهدي، في لقاءٍ نادرٍ أطفأ نار الفرقة، ومهّد لإعلان الاستقلال بإجماعٍ تحت قبة البرلمان مطلع العام السادس والخمسين. كان ذلك الموقف ترفّعاً عن ضغائن السياسة، وتغليباً لمصلحة الوطن على ما سواها، وصيانةً لمولد الدولة أن يُجهَض في مهده؛ فأثبت السيد علي الميرغني يومها أنّ الزعامة الحقّة تُقاس بقدرتها على جمع الكلمة عند المفترق.

ومن ذلك المعين ورِث السيد محمد عثمان الميرغني وبيتُه مدرسةً في السياسة قوامُها الوحدة والاعتدال، وصونُ الدولة، والوقوفُ مع الناس في مطالبهم العادلة. رايةٌ ظلت تنتقل في هذا البيت من جيلٍ إلى جيل، يحملها الخَلَف كما حملها السلف، عاليةً لا تسقط، عزيزةً لا تُهان.

وها هي الأيام تدور دورتها، فتضع السودان أمام محنةٍ توازي محنة المولد: حربٌ ضروسٌ تأكل الأخضر واليابس، ومشاريعُ تتربّص بالدولة السودانية لتُذيبها، وميليشيا تروم أن تُحيل سلاحها سلطاناً، ودماً أراقته في الناس شرعيةً مزعومة. وفي هذا المنعطف نهض السيد جعفر الصادق الميرغني حاملاً ذات الراية: يمثّل مطالب شعبٍ أنهكته الحرب، ويأبى أن تذوب دولتُه في تسويةٍ خاويةٍ من العدل. حملها من الخرطوم إلى أوسلو فثبت حين تهاوى المتهاوون، ومنها إلى واشنطن.

فكما صان السيد علي الميرغني مولد الدولة السودانية عند الاستقلال، يصون السيد جعفر الميرغني بقاءها في زمن الخطر. وكما أبى الجدُّ أن تُختطف الحرية في فجرها، ونافح الأب مولانا السيد محمد عثمان، وشقيقه السيد أحمد الميرغني من أجل حمايتها ، يأبى اليوم الحفيد؛ في ظل والده، أن تُختطف الدولة في محنتها. ذات البيت، وذات المبدأ، وذات الرسالة، يتجدّدان على مسرح التاريخ في وجهين كريمين: وجهٍ حرس الميلاد، ووجهٍ يحرس البقاء.

إنّ الأمم التي تُرزَق في كلّ منعطفٍ رجالاً من معدنٍ واحد، أممٌ لا تموت. والسودان الذي قيّض الله له في فجره السيد علي الميرغني، وقيّض له في محنته مولانا السيد محمد عثمان الميرغني، فان السيد جعفر الميرغني لجديرٌ أن يخرجه من نفقه المظلم إلى نورٍ يستحقّه. فطوبى لبيتٍ ظلّ على امتداد القرن سياجاً للوحدة الوطنية ومناراً للاعتدال؛ نسأل الله أن يُبقي رايته عاليةً، وأن يجعل فيما تحمله يدُ حاملها اليوم خيراً للسودان وأهله. والله وليّ التوفيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى