د.تجاني محمد حسن يكتب عن الوضع التعليمي في دارفور والأبعاد السياسية لإقامة إمتحانات الشهادة الثانوية فيها وفشلها

أفق جديد
د.تجاني محمد حسن يكتب عن الوضع التعليمي في دارفور والأبعاد السياسية لإقامة إمتحانات الشهادة الثانوية فيها وفشلها
ظهر قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو اليوم 7/يوليو/2026 م قارعاً جرس إمتحانات الشهادة الثانوية في إحدى مدارس مدينة نيالا بصحبة رئيس الإدارة المدنية لولاية جنوب دارفور يوسف إدريس في مسرحية سمجة للإستهبال السياسي والمتاجرة بمستقبل الطلاب الذين حرموا من الجلوس لإمتحان الشهادة الثانوية بسبب سيطرة المليشيا على ولايات دارفور منذ العام 2023 حيث يشهد التعليم في هذه المناطق أزمة حادة تُعد من أسوأ الأزمات التعليمية في تاريخ السودان الحديث، ويعد إغلاق المدارس الحكومية هو السمة الأبرز مع تفاوت محدود بين منطقة وأخرى بفضل جهود بعض المدارس الخاصة.
ومن أبرز ملامح الوضع التعليمي في دارفور:
- تعطل الدراسة النظامية في دارفور منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، بسبب القتال والنزوح الجماعي وتدمير أو إغلاق المدارس، وتشير تقارير دولية إلى أن التعليم الرسمي في أجزاء كبيرة من دارفور انهار تماماً، وأصبحت نسبة المدارس التي تعمل في مناطق سيطرة المليشيا في دارفور لا تتجاوز ال 3% فقط من إجمالي المدارس.
- غياب دور مؤسسات الدولة التعليمية بشكل عام في مناطق سيطرة المليشيا.
- مغادرة كثير من مسؤولي التعليم والمعلمين مناطقهم بسبب ما تعرضوا له من قتل وتصفيات جسدية وإختفاء قسري لبعضهم والتهديد لبعضهم الاخر وسجن الكثير منهم في سجن دقريس وتوقفت الرواتب.
- إعتماد بعض المدارس على مبادرات مجتمعية أو جهود تطوعية مؤقتة وغير مستمرة للحفاظ على الحد الأدنى من العملية التعليمية.
- إستخدام بعض مباني المدارس كمراكز إيواء للنازحين في دارفور .
الأبعاد السياسية لإجراء إمتحانات الشهادة الثانوية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع:
ان إجراء الإمتحانات في مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع لا ينظر إليه فقط كقضية تعليمية، بل يحمل أبعادًا سياسية مهمة في سياق الحرب السودانية والصراع على الشرعية والسلطة.
من أبرز هذه الأبعاد:
- الصراع على الشرعية السياسية والمؤسسية:
تنظيم إمتحانات الشهادة الثانوية يُعد من وظائف الدولة الأساسية، وعندما تقوم سلطة موازية بإجراء هذه الامتحانات، فإنها تسعى لإظهار نفسها كجهة حاكمة قادرة على إدارة الخدمات العامة وليس مجرد قوة عسكرية.
لذلك تعتبر الحكومة السودانية أن هذه الإمتحانات تمثل محاولة لإنشاء مؤسسات بديلة تنازع الدولة سلطتها القانونية.
- تعزيز مشروع الحكم الموازي:
إرتبطت الإمتحانات بمشروع “حكومة تأسيس” التابعة للدعم السريع، والتي أعلنت تشكيل لجان تعليمية وإدارية خاصة بها للإشراف على العملية التعليمية وإجراء الإمتحانات في المناطق الخاضعة لسيطرتها ، وهذا يندرج ضمن بناء هياكل حكم موازية تشمل التعليم والإدارة والخدمات.
- التنافس على كسب الحاضنة الإجتماعية:
بعد سنوات من الحرب وتعطل الدراسة، يوجد عدد كبير من الطلاب المتضررين، وبالتالي تقديم فرصة الإمتحانات يمنح الدعم السريع تأييد من بعض الأسر والمجتمعات المحلية التي تبحث عن حلول لأزمة التعليم.
- البعد الرمزي المتعلق بوحدة الدولة:
أن إنشاء نظام إمتحانات منفصل في مناطق سيطرة الدعم السريع يؤدي إلى ترسيخ الإنقسام الجغرافي والمؤسسي بين مناطق السودان المختلفة، وهذا ما تخشاه الحكومة السودانية وبعض الأطراف الدولية، وقد نُقل عن مسؤولين محليين ودوليين تحذيرهم من أن المسارات التعليمية الموازية قد تصبح خطوة نحو تكريس واقع سياسي منفصل يضر بوحدة السودان.
- البعد الدولي والإعتراف الخارجي:
سعى الدعم السريع ولجانه المنظمة للإمتحانات إلى التواصل مع منظمات دولية للحصول على دعم فني أو اعتراف بالعملية التعليمية، رغم تأكيد الحكومة السودانية أن أي شهادة تصدر خارج إطار وزارة التربية والتعليم الرسمية لن تحظى بإعتراف قانوني أو أكاديمي داخل السودان أو خارجه، وهذا هو التحدي الأكبر للمليشيا.
- استخدام التعليم كأداة في السردية السياسية:
يقدم الدعم السريع الإمتحانات بوصفها دليلًا على إهتمامه بالتعليم ومستقبل الشباب رغم ظروف الحرب، لكن الحقيقة أن الدعم السريع يستخدمها كأداة سياسية ضمن الصراع على الشرعية وبناء مؤسسات حكم موازية في السودان.
عوامل فشل تجربة إقامة الإمتحانات في مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع.
يمكن القول بأن إجراءا إمتحانات الشهادة الثانوية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع تجربة فاشلة بإمتياز وذلك للأسباب التالية:
- تدهور الوضع الأمني
إستمرار العمليات العسكرية والإشتباكات يعرقل تنظيم الإمتحانات وتأمين مراكزها، وصعوبة ضمان سلامة الطلاب والمعلمين والمراقبين.
- ضعف البنية التحتية التعليمية:
تضرر أو إغلاق العديد من المدارس وتحويل بعضها إلى مراكز إيواء أو مواقع عسكرية ، ونقص الأثاث والمستلزمات الأساسية اللازمة لإجراء الامتحانات.
- تعطل الإدارة التعليمية:
إنقسام السلطات الإدارية بين مناطق السيطرة المختلفة، وعدم وجود تنسيق بين الجهات المختلفة المسؤولة عن إعداد الإمتحانات وإعتمادها والإشراف عليها.
- مشكلات نقل وتوزيع الإمتحانات:
صعوبة إيصال أوراق الأسئلة ومواد الإمتحانات إلى جميع المناطق مع مخاوف تتعلق بسرية الإمتحانات ومنع التسريب.
- النزوح السكاني الواسع:
إنتقال أعداد كبيرة من الطلاب وأسرهم من مناطقهم الأصلية ، وفقدانهم السجلات الدراسية أو صعوبة التحقق من بيانات الطلاب.
- نقص الكوادر التعليمية:
هجرة أو نزوح المعلمين والإداريين، وصعوبة توفير مراقبين ومصححين مؤهلين.
- ضعف الخدمات الأساسية:
إنقطاع الكهرباء والاتصالات والإنترنت في كثير من المناطق ومشكلات النقل والوقود التي تؤثر على حركة الطلاب والعاملين.
- ضعف الثقة في الإعتراف بالنتائج:
مخاوف الطلاب وأولياء الأمور بشأن الإعتراف الرسمي بالشهادات الصادرة من المناطق المتأثرة بالنزاع وذلك لأن الدعم السريع ليست الجهة المخولة بإدارة الإمتحانات وإعتماد نتائجها، وبالتالي فان معيار النجاح هو الحصول على إعتراف دولي واسع بحكومة تأسيس ثم إعتراف هذه الدول بالشهادة وفتح أبواب الجامعات والوظائف أمام الخريجين، وهذا لم ولن يحدث.
الاثنين 8/يونيو/2026م













