
في موقف إنساني نادر يجسد معاني التسامح والإيمان، رفض المواطن السوداني العم عبد الله، من مدينة الدويم بولاية النيل الأبيض، مبلغاً قدره 5 ملايين ريال سعودي مقابل العفو عن قاتـ ـل ابنه محمد، الذي قُتـ ـل قبل نحو 15 عاماً في المملكة العربية السعودية أثناء عمله راعياً للأغنام.
وتعود تفاصيل القصة إلى أن الشاب محمد تعرض للقـ ـتل طعناً على يد شخص من الجنسية التشادية بغرض سـ ـرقة مبلغ لا يتجاوز 800 ريال سعودي، قبل أن تتمكن السلطات من القبض على الجاني وإيداعه السجن انتظاراً لتنفيذ حكم القصاص.
وبعد سنوات طويلة من البحث عن والد القتيـ ـل، تم العثور على العم عبد الله في السودان واستقدامه إلى المملكة العربية السعودية لحضور تنفيذ الحكم. وخلال وجوده هناك، تحرك عدد من أهل الخير وجهات معنية للإصلاح، وعُرض عليه مبلغ ضخم قُدّر بـ5 ملايين ريال سعودي مقابل العفو عن الجاني.
ورغم ظروفه المعيشية الصعبة وحاجته للمال، تمسك العم عبد الله بموقفه، وردد عبارته الشهيرة: “ماني داير.. عفيتو لله والرسول.” ولم يكتف بذلك، بل تواصل مع زوجته، والدة القتيل، في السودان لاستشارتها، فجاء ردها مؤيداً للعفو دون مقابل، مؤكدة تمسكها بالأجر والثواب.
وعاد العم عبد الله إلى مدينته الدويم كما غادرها، دون أن يحمل معه شيئاً من أموال الدنيا، لكنه حمل موقفاً إنسانياً عظيماً سيظل شاهداً على قوة الإيمان وعظمة التسامح.
وتبقى قصة العم عبد الله نموذجاً نادراً للطيبة والأصالة السودانية التي عُرف بها أهل السودان عبر الأجيال. فالرجل، رغم فداحة المصاب وقسوة الفقد، لم تغره الملايين ولم تغير المالُ من قناعته شيئاً، واختار العفو ابتغاء مرضاة الله. إن مثل هذه المواقف لا تصدر إلا من أصحاب النفوس الكبيرة والقلوب المؤمنة، وهي أخلاق العظماء الذين يتركون أثراً خالداً في وجدان الناس، ويثبتون أن التسامح عند المقدرة من أسمى القيم الإنسانية.













