
محمد الطيب.. حين يكون الطب علماً والإنسانية مقاماً
بقلم: د. زكي محمد البشير الأمين
في ممرات المستشفيات، حيث يثقل الانتظار على القلوب، وتتزاحم الأسئلة في صدور الأهل، تصبح للابتسامة قيمة لا يعرفها إلا من جاء يحمل قلقه على عزيز. هناك، قد تسبق بشاشة الطبيب حديثه، وتفتح في جدار الخوف نافذة، وتمنح النفس شيئاً من السكينة قبل أن تسمع التفاصيل.
في تلك المساحة بين قلق الابن ورجائه، التقيت الاستشاري محمد الطيب، اختصاصي المسالك البولية، الذي أجرى لوالدي منظاراً تشخيصياً للمثانة. كان خارجاً للتو من عملية، تعلو وجهه ابتسامة هادئة، ويكسو حضوره تواضع العلماء؛ أولئك الذين كلما اتسعت معارفهم، اتسعت للناس صدورهم، وكلما علت مقاماتهم، ازدادت بساطة عباراتهم.
لم يكن اللقاء طويلاً، لكنه ترك في النفس أثراً عميقاً. فبعض الناس لا يحتاجون إلى كثير كلام لتعرف معدنهم؛ تكفي هيئة استقبالهم، وطريقتهم في الإصغاء، وذلك الود الذي يجعل المراجع يشعر بأنه أمام ابن بلد يعرف معنى الوجع، ويقدّر قلق الأسرة، ويحفظ للإنسان مكانته في زحام العمل.
ولفتت نظري طريقته الخاصة في إمساك القلم من أعلاه. تفصيل صغير استوقفني، وارتبط في خاطري بما رأيته من هدوئه وثقته وحضور معرفته. وللذاكرة طريقتها في الاحتفاظ بالناس؛ فقد تحفظ من عالم نبرة صوته، ومن معلم حركة يده، ومن طبيب ابتسامةً أطلّت في لحظة احتجنا فيها إلى الاطمئنان.
وما أكتبه عن الدكتور محمد الطيب شهادة امتنان لموقف عشته، ورأيت فيه جمال التقاء العلم بالأدب، والمهنة بالمروءة. فالطب مسؤولية تمتد من دقة الإجراء إلى رفق اللقاء، ومن أمانة المعرفة إلى حسن مخاطبة المريض وذويه. وما أجمل الطبيب حين يجتمع في يده إتقان، وفي قلبه إحسان، وفي معاملته احترام يصون كرامة الإنسان.
إن المواقف النبيلة في مهنة الطب قد تبدو صغيرة في أعين أصحابها، لكنها كبيرة في نفوس متلقيها: طبيب يصغي لسؤال تكرر لأن صاحبه خائف، وآخر يشرح لأهل المريض ما أشكل عليهم دون ضيق، وثالث يحفظ خصوصية مريض أنهكه الألم، وفريق يواصل أداء واجبه حين يشتد التعب وتقل الإمكانات. تلك مواقف يُعرف بها جوهر المهنة، وتبقى آثارها في البيوت بعد مغادرة المستشفيات.
وفي الحديث الشريف: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء». وللطب من الإحسان نصيب عظيم؛ إحسان في أداء العمل، وإحسان في الكلمة، وإحسان في معاملة من أضعفه المرض وأثقله الانتظار. فالعلم أمانة، والقدرة مسؤولية، والرفق زينة من يملك المعرفة في حضرة من يحتاج إليها.
ومن هذا اللقاء، تمتد التحية إلى آلاف الأطباء في بلادي، الذين أبلوا بلاءً حسناً في ظروف بالغة التعقيد؛ يواصلون العمل وسط مشقة الحياة، وضغط الحاجة، وقسوة الواقع. يحملون همومهم الخاصة، ثم يدخلون إلى مرضاهم ليحملوا معهم هموماً أخرى، ويمنحون من وقتهم وجهدهم ما يستحق الاعتراف والوفاء.
ووراء كل طبيب يؤدي رسالته بإخلاص، زملاء من مختلف المهن الطبية والصحية تتكامل أدوارهم وتتساند جهودهم. بهم جميعاً تستمر الخدمة، ويجد المريض من يستقبله ويرعاه ويتابع شأنه. ولهم في ذاكرة هذا الوطن حق محفوظ، ولعطائهم في أعناقنا واجب تقدير.
شكراً للدكتور محمد الطيب على ما وجدناه من بشاشة وتواضع وحسن معاملة، وعلى رعايته لوالدي. وشكراً لكل طبيب يصون علمه بالأمانة، ويزيده بالرحمة بهاءً، ولكل ممارس صحي يثبت، كل يوم، أن خدمة الإنسان مقام رفيع يستحق البذل.
ستبقى في خاطري تلك الابتسامة عند باب العملية؛ صورةً لطبيب يعرف أن خلف كل مريض أسرةً تنتظر، وقلوباً تدعو، وأبناءً يرون في سلامة أبيهم اتساع الدنيا كلها.













