اخبار

د. زكي محمد البشير يكتب : وصفة سحرية على طاولة مجلس الوزراء… العاملون شركاء لا أجراء

تابعنا على الواتساب لمزيد من الاخبار

                           

وصفة سحرية على طاولة مجلس الوزراء… العاملون شركاء لا أجراء

المعلم أولاً… و15% من إيرادات الدولة للعاملين… واستقلال اقتصادي منضبط للمؤسسات النظامية

بقلم: د. زكي محمد البشير

ليس كل إصلاح يحتاج إلى خزائن ممتلئة، ولا كل نهضة تنتظر أموالاً تتدفق من الخارج؛ فبعض الحلول تولد من رحم الأزمات، وبعض الأفكار العظيمة تبدأ بسؤال بسيط: لماذا نظل ندور في الحلقة ذاتها، وننتظر نتائج مختلفة ونحن نكرر السياسات نفسها؟

ولأن السودان يمر بمرحلة استثنائية تتطلب تفكيراً استثنائياً، فإنني أضع على طاولة مجلس الوزراء السوداني وصفة اقتصادية وإدارية، قد تبدو للوهلة الأولى جريئة، لكنها تستحق الدراسة والمناقشة، لأنها تنطلق من فلسفة مختلفة في إدارة الدولة، تقوم على أن العاملين في مؤسسات الدولة شركاء في بنائها وإنتاجها وإيراداتها، وليسوا مجرد أجراء ينتظرون رواتبهم آخر الشهر.

إن الأزمة الحقيقية ليست أزمة مرتبات فحسب، وإنما أزمة فلسفة اقتصادية وإدارية ظلت تنظر إلى العامل باعتباره بنداً في المصروفات، لا أصلاً من أصول التنمية، وشريكاً في صناعة الموارد.

أولاً: المعلم فوق قمة الهرم الوظيفي… فمن يصنع العقول يستحق أعلى العوائد

إذا أردنا أن نبني دولة قوية، فلنبدأ بمن يبني الإنسان؛ وإذا أردنا أن نصنع مستقبلاً مشرقاً، فلنكرم من يحمل مصباح المعرفة في ظلمات الجهل.

إن المعلم ليس موظفاً عادياً، ولا ينبغي أن يكون راتبه رقماً متواضعاً في أسفل السلم الوظيفي؛ فهو الذي يُعلِّم الطبيب قبل أن يمسك مبضعه، ويُعلِّم المهندس قبل أن يشيد بنيانه، ويُعلِّم القاضي قبل أن يعتلي منصته، ويُعلِّم القائد قبل أن يتولى زمام القيادة.

فكيف يستقيم ميزان العدالة الوظيفية حين يتقدم التلميذ في سلم الامتيازات، ويبقى الأستاذ الذي صنعه في ذيل القائمة؟

إنني أطرح رؤية واضحة تتمثل في أن تكون مرتبات المعلمين هي الأعلى في سلم الخدمة المدنية بالدولة، وأن تصبح مهنة التعليم من أكثر المهن جاذبية واستقراراً وتقديراً.

ولا أقصد بذلك مجرد زيادة عابرة تلتهمها موجات التضخم، وإنما إعادة هيكلة جذرية للأجور، تجعل للمعلم مكانة اقتصادية توازي مكانته الاجتماعية والوطنية.

فالدولة التي تُنصف المعلم لا تدفع راتباً فحسب، بل تستثمر في أجيالها، وتحمي مستقبلها، وتؤسس لنهضة لا تقوم على الرمال.

ثانياً: العاملون شركاء في الإيرادات… لا متسولون على أبواب الخزينة

هنا تكمن الفكرة المركزية في هذه الوصفة.

لماذا لا تخصص الدولة نسبة 15% من إيراداتها العامة الفعلية لصندوق وطني لتحسين أجور العاملين وحوافزهم؟

إن هذا المقترح يقوم على تحويل العلاقة بين الدولة والعاملين من علاقة تقليدية بين صاحب عمل وأجير، إلى علاقة شراكة مؤسسية قائمة على الإنتاج والمسؤولية والحقوق المتبادلة.

فالعامل الذي يعلم أن تحسن الأداء المؤسسي، وزيادة الإيرادات، ومحاربة الهدر، ستنعكس إيجاباً على دخله، سيكون أكثر ارتباطاً بمؤسسته وأكثر حرصاً على تطويرها.

ولكن هذه النسبة لا ينبغي أن تتحول إلى توزيع عشوائي للأموال، وإنما إلى نظام مالي منضبط، تحكمه معايير العدالة والكفاءة والإنتاجية.

وتقوم الفكرة على إنشاء صندوق وطني موحد، تُخصص له النسبة المقترحة وفق تعريف محاسبي واضح للإيرادات القابلة للتوزيع، مع مراعاة الالتزامات السيادية والإنفاق الأساسي للدولة.

ومن خلال هذا الصندوق، تُوزع الموارد بين المؤسسات وفق معايير معلنة تشمل عدد العاملين، وطبيعة العمل، والمخاطر المهنية، ومستويات الأجور، ومؤشرات الأداء.

وهكذا تصبح زيادة الإيرادات مدخلاً لتحسين أحوال العاملين، دون أن تتحول إلى امتياز حصري للمؤسسات الأكثر تحصيلاً.

ثالثاً: لا يجوز أن يعاقَب العامل لأن مؤسسته لا تحقق إيرادات

وهذه نقطة جوهرية في المقترح.

فليست كل المؤسسات الحكومية مؤسسات إيرادية، وليست قيمة المؤسسة مرهونة بما تدخله إلى الخزينة العامة من أموال.

فالمعلم الذي يقف أمام السبورة لا يبيع سلعة، والطبيب الذي ينقذ حياة إنسان لا ينبغي أن يُقاس عطاؤه بحجم الرسوم المحصلة، ورجل الإطفاء الذي يخاطر بحياته لا يحقق إيرادات مباشرة، لكنه يحمي أرواحاً وممتلكات لا تقدر بثمن.

ومن هنا فإن العدالة تقتضي أن تتقاسم المؤسسات الإيرادية وغير الإيرادية عوائد النسبة المقترحة من خلال صندوق تضامني وطني.

فلا يعقل أن يتمتع العاملون في مؤسسة إيرادية بحوافز مرتفعة، بينما يعيش العاملون في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية أوضاعاً معيشية صعبة لمجرد أن مؤسساتهم تقدم خدمات عامة مجانية أو مدعومة.

إن قيمة الخدمة العامة لا تقاس دائماً بما تحققه من مال، وإنما بما تصنعه من أثر في حياة الإنسان والمجتمع.

ولذلك فإن فلسفة المقترح تقوم على التضامن بين المؤسسات، والعدالة بين العاملين، وربط الحوافز بالأداء دون الإخلال بالحقوق الأساسية.

رابعاً: القوات النظامية… نحو استقلال اقتصادي تشغيلي منضبط

أما المحور الرابع، فهو يتعلق بالقوات النظامية ومؤسساتها المختلفة.

إن القوات النظامية تضطلع بمهام وطنية تتطلب الجاهزية والاستقرار والاستمرارية، وهي مهام لا ينبغي أن تتعطل بسبب التعقيدات الإدارية أو بطء الإجراءات المالية.

ومن هنا أطرح فكرة دراسة إنشاء منظومة استثمارية مؤسسية للقوات النظامية، تقوم على شراكات اقتصادية مدروسة مع القطاع الخاص، في القطاعات الإنتاجية والخدمية المسموح بها قانوناً.

ويكون الهدف من هذه الاستثمارات توفير موارد إضافية تسهم في تمويل بعض الاحتياجات التشغيلية، وتحسين الخدمات الاجتماعية للعاملين، وتخفيف الضغط عن الموازنة العامة للدولة.

لكن نجاح هذا التصور يتطلب ضوابط واضحة، في مقدمتها الفصل بين المهام الأمنية والأنشطة التجارية، ومنع تضارب المصالح، وإخضاع الشركات والمشروعات للضرائب والقوانين والمراجعة المالية والرقابة المؤسسية.

كما ينبغي ألا تتحول الاستثمارات إلى اقتصاد موازٍ خارج ولاية الدولة على المال العام، أو إلى منافسة غير متكافئة مع القطاع الخاص.

إن المقصود هو الاستقلال التشغيلي المنضبط، لا الاستقلال عن الرقابة المالية والسيادة الاقتصادية للدولة.

وبذلك يمكن للقوات النظامية أن تستفيد من موارد استثمارية مشروعة تسهم في تسيير بعض أعمالها، بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية غير الضرورية، مع بقاء مسؤولية تمويل واجباتها السيادية الأساسية ضمن مسؤوليات الدولة.

خامساً: كيف تتحول الوصفة من فكرة إلى سياسة؟

إن الأفكار مهما بلغت من جودة لا تصنع واقعاً ما لم تجد طريقها إلى التنفيذ.

ولذلك أقترح أن يبدأ مجلس الوزراء بتشكيل فريق فني مشترك من وزارات المالية والعمل والتربية والتعليم والجهات الرقابية والاقتصادية المختصة، لدراسة هذا النموذج من جميع جوانبه.

وتبدأ الدراسة بحصر الإيرادات العامة، وتحليل فاتورة الأجور الحالية، وتحديد الموارد المتاحة فعلياً، ثم إجراء محاكاة مالية لتخصيص نسبة 15%، وقياس أثرها على الموازنة العامة والخدمات الأساسية.

كما يتطلب المقترح إعداد سلم جديد للأجور يمنح المعلمين أولوية واضحة، مع معالجة الاختلالات بين القطاعات المهنية، وإنشاء نظام شفاف لتوزيع الحوافز.

ويمكن تطبيق النموذج تدريجياً في عدد من المؤسسات، ثم تقييم نتائجه قبل التوسع فيه على المستوى القومي.

ولا بد أن تكون هناك ضمانات تمنع تمويل الزيادات عبر التوسع غير المنضبط في طباعة النقود أو فرض رسوم إضافية تثقل كاهل المواطنين؛ لأن زيادة الأجور التي تلتهمها الأسعار ليست إصلاحاً، وإنما دوران جديد في حلقة المعاناة.

سادساً: من عقلية الجباية إلى عقلية الإنتاج

إن السودان لا يحتاج فقط إلى زيادة الموارد، وإنما يحتاج أيضاً إلى تغيير طريقة التفكير في إدارة موارده.

فنحن بحاجة إلى دولة تنتج قبل أن تجبي، وتخطط قبل أن تنفق، وتحاسب قبل أن تكافئ، وتضع الإنسان في قلب المعادلة الاقتصادية.

إن العامل الذي يعيش قلق المعيشة لا يستطيع أن يمنح وطنه كامل طاقته، والمعلم الذي يبحث عن عمل إضافي ليطعم أسرته يصعب أن يتفرغ تماماً لصناعة الأجيال، والموظف الذي يفقد الأمل في عدالة الأجور يفقد تدريجياً الحافز إلى الإبداع والإنتاج.

ولهذا فإن تحسين أوضاع العاملين ليس مجرد قضية مطلبية، وإنما قضية أمن اقتصادي واجتماعي، وركيزة من ركائز استقرار الدولة.

إن المطلوب عقد اجتماعي واقتصادي جديد، تكون فيه الدولة مسؤولة عن العدالة، والمؤسسات مسؤولة عن الكفاءة، والعاملون شركاء في الإنتاج، والمجتمع شريكاً في الرقابة والتقييم.

أخيراً… رسالة إلى مجلس الوزراء

السادة رئيس وأعضاء مجلس الوزراء:

هذه وصفة أضعها أمامكم، لا باعتبارها حقيقة اقتصادية نهائية، وإنما بوصفها مشروعاً وطنياً قابلاً للدراسة والتطوير والتطبيق متى أثبتت الأرقام جدواه.

خصصوا للعاملين نصيباً عادلاً من الموارد، وأنصفوا المعلم، واجعلوا المؤسسات تتكافل بدلاً من أن تتفاوت، وافتحوا أبواب الاستثمار المنتج بضوابط القانون والشفافية.

فلا نهضة بلا تعليم، ولا تعليم بلا معلم كريم، ولا إدارة ناجحة بعامل منهك، ولا دولة قوية بمؤسسات تتنازع الموارد بدلاً من أن تتكامل في خدمة الوطن.

إننا لا نريد دولة يكون فيها الموظف عبئاً على الخزينة، بل نريد دولة يكون فيها العامل شريكاً في نهضتها، وصانعاً لثروتها، وحارساً لمواردها.

ولعل أعظم تحول يمكن أن تشهده الإدارة السودانية هو أن تنتقل من سؤال:

كم يكلفنا العامل؟

إلى سؤال أكثر عمقاً:

كيف نستثمر في العامل حتى يضاعف قيمة ما نقدمه للوطن؟

فالأوطان لا تنهض بالخزائن وحدها، وإنما تنهض بالعقول التي تخطط، والسواعد التي تعمل، والضمائر التي تخلص.

وإذا كان المال عصب الاقتصاد، فإن الإنسان روح التنمية، وإذا صلحت الروح استقام الجسد، وإذا أُنصف المعلم أشرق الغد.

وختاماً، أقول:

أعطوا المعلم حقه، تجدوا للوطن نهضته، وللعلم هيبته، وللمستقبل بريقه.

فالسودان الذي نحلم به لن يبنيه عامل مسحوق، ولا معلم محروم، ولا مؤسسة مكبلة؛ وإنما يبنيه إنسان كريم، ومؤسسة منتجة، ودولة عادلة.

د. زكي محمد البشير

كاتب ومحلل استراتيجي

خبير الدراسات الاستراتيجية والأمنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى