اخبار

د. زكي محمد البشير يكتب : بين دماء المعدّنين ودهاليز السياسة… من يريد إشعال الضفتين؟

تابعنا على الواتساب لمزيد من الاخبار

                           

رؤيتي

بين دماء المعدّنين ودهاليز السياسة… من يريد إشعال الضفتين؟

حين تتحول الحوادث الحدودية إلى وقود للصراع السياس

بقلم: د. زكي محمد البشير

ليست كل رصاصةٍ تُطلق على الحدود إعلاناً للحرب، ولا كل حادثةٍ تقع بين الأشقاء إيذاناً بالقطيعة، ولكن بعض الحوادث، إن أسيء التعامل معها، تتحول من جرحٍ في الجسد إلى شرخٍ في الوطن، ومن واقعةٍ تستوجب التحقيق إلى فتنةٍ تستدعي الحذر والتدقيق.

لقد أثارت الأنباء المتداولة عن تعرض معدّنين سودانيين للاعتداء قرب الحدود المصرية السودانية موجةً من الغضب والأسئلة المشروعة؛ فحياة المواطن ليست رقماً في سجل الحوادث، ولا دمه حبراً في محاضر التحقيق، ولا كرامته ورقةً تتقاذفها رياح السياسة.

إن دم السوداني عزيز، وكرامته مصونة، وحقه في الحماية والإنصاف لا يسقط عند تخوم الحدود، ولا تضيع قيمته باختلاف المكان والزمان.

ولكن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب وسط ضجيج الغضب: كيف نحمي حقوق الضحايا دون أن نسمح بتحويل مأساتهم إلى شرارةٍ تشعل خصومةً أوسع بين شعبين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ والمصير؟

إن المطالبة بالعدالة حق، والتحقيق في الاعتداء واجب، ومحاسبة المسؤولين ضرورة، ولكن تحويل الحادثة إلى إدانةٍ جماعية لشعبٍ بأكمله لا يحقق العدالة، بل يضاعف الخسارة.

من حادثة الحدود إلى أزمة العلاقات

في السياسة، لا تكمن الخطورة دائماً في الحدث نفسه، بل في الطريقة التي يُقدَّم بها، واللغة التي يُفسَّر بها، والغايات التي يُستخدم من أجلها.

فقد تقع حادثة محدودة فتتسع دوائرها بفعل التسرع، وقد يبدأ خلاف قابل للاحتواء فيتحول إلى أزمةٍ يصعب تطويقها.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تُدار هذه الحادثة باعتبارها قضية حقوق وعدالة ومسؤولية قانونية، أم تُدفع إلى ميدان الصراع السياسي؟

إن الإجابة لا ينبغي أن تُبنى على الظنون، وإنما على التحقيق الشفاف، والوقائع الموثقة، والمواقف الرسمية الواضحة.

فالحكمة لا تعني الصمت عن الاعتداء، كما أن الحزم لا يعني الانزلاق إلى العداء.

وليس من شجاعة الدولة أن تصرخ في وجه الأزمة، وإنما أن تواجهها بما يحفظ الحق ويمنع اتساع الجرح.

هل يمكن توظيف الأزمة لاستهداف القيادة السياسية؟

تطرح الحوادث الحدودية، في ظل الأوضاع المعقدة التي يعيشها السودان، إشكاليةً تتجاوز الواقعة الأمنية إلى طبيعة الصراع حول السلطة ومؤسسات الدولة.

فالأزمات الخارجية قد تتحول إلى أدوات للمزايدة الداخلية، وقد تُستخدم لإضعاف الثقة في مؤسسات الحكم، أو لتصوير الدولة باعتبارها عاجزة عن حماية مواطنيها.

لكن الانتقال من ملاحظة هذا الاحتمال إلى الجزم بوجود مخطط يستهدف رئيس الجمهورية يحتاج إلى أدلة واضحة، تكشف الأطراف والأهداف ووسائل التنفيذ.

فمن حق المواطن أن يسأل عن كفاءة السلطة في حماية السودانيين، ومن حق الدولة أن تدافع عن سيادتها، ومن واجب الجميع ألا تتحول دماء الضحايا إلى مادة لتصفية الحسابات.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تضيع القضية الأصلية بين فريقٍ يوظفها في الخصومة السياسية، وآخر يختزلها في الدفاع عن السلطة، بينما يبقى المعدّنون وأسرهم في انتظار الحقيقة والإنصاف.

فلا ينبغي أن تصبح دماء البسطاء سلّماً إلى المناصب، ولا ستاراً يحجب المسؤولية، ولا وقوداً لمعركةٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

السودان ومصر… علاقة لا تحتمل العبث

إن العلاقة بين السودان ومصر ليست علاقة عابرة بين دولتين متجاورتين؛ إنها علاقة تشابكت فيها الأنساب والمصالح، وتداخلت فيها المصائر والمواقف.

فالنيل ليس مجرد مجرى ماء، بل شريان حياة؛ والحدود ليست مجرد خطوط على الخرائط، بل مناطق تواصلٍ ومصالحٍ ومسؤوليات مشتركة

ولذلك فإن أي اعتداء يثبت وقوعه على مواطنين سودانيين يستوجب موقفاً مسؤولاً، وتحقيقاً جاداً، وإجراءاتٍ تكفل عدم التكرار.

كما أن العلاقات التاريخية لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتجاهل حقوق الضحايا، تماماً كما لا يجوز أن تتحول حادثة حدودية إلى مبرر لنسف العلاقات بين الشعبين.

فالأخوة التي لا تحمي الحقوق أخوة منقوصة، والسيادة التي لا تصون الكرامة سيادة مجروحة، والسياسة التي لا تحتكم إلى الحكمة طريق محفوف بالخسارة.

بين هيبة الدولة وكرامة المواطن

لا تُقاس قوة الدولة بارتفاع صوتها، ولا بحدة تصريحاتها، وإنما بقدرتها على حماية مواطنيها، ومتابعة قضاياهم، وانتزاع حقوقهم بالوسائل المشروعة.

فالدولة التي تطالب بالتحقيق لا تستجدي حقاً، والدولة التي تتمسك بالقانون لا تتنازل عن سيادتها، والدولة التي تحافظ على علاقاتها الخارجية لا تفرط بالضرورة في كرامتها.

إن المطلوب هو موقف سوداني مؤسسي يجمع بين الحزم والحكمة، ويطالب بكشف ملابسات الحادثة، وتحديد المسؤوليات، وضمان الإنصاف للمتضررين.

كما تقتضي المسؤولية السياسية ألا يُستخدم الحادث لإشعال خطاب الكراهية أو التحريض ضد المصريين، فالمسؤولية عن أي اعتداء، متى ثبت، تقع على مرتكبيه ومن يثبت تورطه فيه، لا على شعبٍ بأكمله.

الخاتمة… لا تجعلوا الحدود مقبرةً للحكمة

إن السودان الذي أثقلته الحرب، وأنهكته المحن، وأوجعته الجراح، أحوج ما يكون إلى سياسةٍ تجمع ولا تفرق، وتُداوي ولا تُؤذي، وتبني ولا تهدم.

وليس من مصلحة السودان ولا مصر أن تتحول حادثة تستوجب العدالة إلى خصومةٍ تستنزف المصالح، أو أن تصبح الحدود التي يفترض أن تنظم العلاقة بين البلدين خطوطاً فاصلة بين شعبين شقيقين.

فلتكن الحقيقة قبل الضجيج، والعدالة قبل المزايدة، والسيادة قبل المصالح الضيقة، والوطن فوق حسابات الجميع.

إن دماء المعدّنين، إن ثبت الاعتداء عليهم، تستحق تحقيقاً لا تسويفاً، وإنصافاً لا شعارات، وموقفاً يحفظ الكرامة دون أن يفتح أبواب الفتنة.

ولنتذكر أن الأزمات تكشف معادن الرجال، ولكنها تكشف كذلك معادن الدول؛ فمن أحسن إدارتها حفظ الحقوق وصان العلاقات، ومن أساء توظيفها قد يخسر الحق والعلاقة معاً.

فلا تجعلوا من جراح المواطنين جسوراً للخصومة، ولا من غضب الشعوب حطباً للفتنة، ولا من خلاف السياسة خنجراً في خاصرة الوطن.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن تتجه إليه الأنظار:

من الذي اعتدى على المعدّنين السودانيين وكيف وقع الاعتداء؟ ومن يتحمل مسؤوليته؟ وما الذي ستفعله الدولتان لضمان العدالة ومنع التكرار؟

فتلك هي الأسئلة التي تخدم السودان ومواطنيه، وتضع الحقيقة فوق التكهنات، والحقوق فوق الشعارات.

وطنٌ تُصان فيه كرامة الإنسان، خيرٌ من ألف خطابٍ يتغنى بالسيادة ولا يحمي أصحابها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى