
أنفاس الصباح
بقلم: د. زكي محمد البشير
الميت الذي انتعش حين بشّره قاتله بالديمقراطية
في واحدة من أغرب مفارقات هذا الزمان، يُحكى أن رجلاً كان يحتضر على قارعة الطريق، بعد أن أطلق عليه قاتله رصاصة استقرت في صدره، وبينما كان المسكين يلفظ أنفاسه الأخيرة، اقترب منه القاتل في هدوء، وربت على كتفه بحنان لا يليق بمسرح الجريمة، وقال له بصوت مفعم بالأمل:
«لا تحزن يا صديقي، فأنا لم أقتلك كرهاً فيك، وإنما فعلت ذلك من أجلك! لقد جئت لأحررك من الاستبداد، وأمنحك الديمقراطية، وأفتح لك أبواب المجتمع الدولي، وأخرجك من عزلتك الطويلة إلى رحاب العالم المتحضر!».
ويا للعجب!
ما إن سمع الرجل كلمة «الديمقراطية» حتى انتعش فجأة، واتسعت عيناه، وكأن الرصاصة التي اخترقت صدره لم تكن سوى حقنة فيتامينات، أو جرعة منشطة أعادت إليه الحياة!
رفع رأسه بصعوبة، وسأل قاتله بصوت متقطع:
«وهل سأعيش في رغد من العيش؟».
فأجابه القاتل، وهو يمسح الدم عن يديه بمنديل أنيق:
«بل ستعيش في بحبوحة لم تحلم بها من قبل! ستأتيك الاستثمارات من كل حدب وصوب، وستُفتح لك الأسواق، وستنهال عليك المساعدات، وستصبح عضواً فاعلاً في المجتمع الدولي، بعد أن كنت تعيش في عزلة خانقة!».
ابتسم المحتضر ابتسامة عريضة، وقال:
«يا إلهي! كل هذا من أجلي؟!».
قال القاتل بفخر:
«بل وأكثر من ذلك! سنمنحك حرية التعبير، وحرية التنقل، وحق المشاركة في صناعة القرار، وسنقيم لك دولة المؤسسات وسيادة القانون!».
هنا حاول الرجل أن يصفق ابتهاجاً، لكن يديه كانتا قد فقدتا القدرة على الحركة، فاكتفى بأن يهمس:
«إذن، أرجوك، أطلق عليّ رصاصة أخرى، حتى تكتمل الديمقراطية!».
ضحك القاتل، وقال له:
«لا تتعجل يا صديقي، فالديمقراطية عملية تراكمية، والتحول الديمقراطي يحتاج إلى تضحيات، وقد تستغرق المرحلة الانتقالية بعض الوقت!».
سأله الرجل وهو يختنق بدمائه:
«وكم تستغرق هذه المرحلة؟».
أجابه القاتل بثقة الخبراء:
«هذا يتوقف على مدى تعاونك معنا، واستعدادك لتحمل تكاليف الانتقال!».
قال المحتضر
«ولكنني أموت الآن!».
فرد عليه القاتل مستنكراً:
«يا لك من متشائم! لماذا تنظر إلى نصف الكأس الفارغ؟ انظر إلى الفرص التاريخية التي تنتظرك!».
ثم أخرج من حقيبته وثيقة أنيقة، تحمل عنواناً عريضاً: «خارطة الطريق نحو المستقبل المشرق»، وطلب من الرجل أن يوقع عليها قبل أن يفارق الحياة.
قرأ الرجل البند الأول: «يلتزم الطرف الأول بالتوقف عن مقاومة الطرف الثاني».
والبند الثاني: «يتعهد الطرف الثاني بإعادة إعمار ما دمره، متى توفرت الظروف المناسبة والتمويل الدولي».
أما البند الثالث، فقد نص على أن «يتحمل الطرف الأول المسؤولية الكاملة عن أي تأخير في تنفيذ التحول الديمقراطي، بما في ذلك التأخير الناتج عن وفاته».
أعجب الرجل بالوثيقة، وقال:
«يا لها من اتفاقية عادلة! ولكن من يضمن تنفيذها؟».
ابتسم القاتل ابتسامة دبلوماسية، وقال:
«المجتمع الدولي، بالطبع!».
عندها تنفس الرجل الصعداء، وكأن العالم كله قد وضع يده على جرحه النازف، وأغمض عينيه مطمئناً إلى أن مستقبله أصبح في أيدٍ أمينة.
غير أن مشكلة صغيرة طرأت في اللحظة الأخيرة.
فقد اكتشف الرجل أن الديمقراطية التي وُعد بها لا تشمل حقه في رفض الرصاصة، وأن حرية التعبير لا تمنحه حق الاعتراض على قاتله، وأن الانفتاح على المجتمع الدولي لن يعيد إليه روحه، وأن رغد العيش الموعود يحتاج، قبل كل شيء، إلى أن يظل على قيد الحياة!
حاول أن يسأل قاتله عن هذه التفاصيل، لكن صوته كان قد خفت، وأنفاسه بدأت تتلاشى.
اقترب منه القاتل مرة أخرى، وقال في رقة:
«لا تقلق، سنصدر بياناً نعرب فيه عن بالغ أسفنا لما حدث لك، وسنؤكد التزامنا الراسخ بحقوق الإنسان، وسندعو جميع الأطراف إلى ضبط النفس!».
ثم التفت إلى المصورين الذين وصلوا لتوثيق الحدث، ووقف أمام الجثة مبتسماً، وأعلن في مؤتمر صحفي عاجل:
«لقد حققنا اليوم إنجازاً تاريخياً في مسيرة التحول الديمقراطي، ونجحنا في إنهاء عزلة هذا الرجل، ووضعناه على الطريق الصحيح نحو مستقبل أفضل!».
سأله أحد الصحفيين:
«ولكن الرجل مات!».
فأجابه، وهو يعدل ربطة عنقه:
«هذه قراءة سلبية للأحداث! لقد انتقل إلى مرحلة جديدة، ونحن ملتزمون بمواصلة دعم انتقاله!».
وفي اليوم التالي، تصدرت الصحف صورة القاتل وهو يحمل باقة من الزهور، تحت عنوان:
«جهود دولية ناجحة لإنهاء عزلة مواطن وتعزيز فرصه في الاندماج مع العالم».
أما الرجل المسكين، فقد دُفن في صمت، بعد أن تقرر تأجيل مراسم تشييعه إلى حين اكتمال الترتيبات الفنية واللوجستية للمرحلة الانتقالية.
وقيل إن قاتله تعهد ببناء نصب تذكاري له، تخليداً لتضحياته في سبيل الديمقراطية، شريطة الحصول على التمويل اللازم من المانحين!
آخر الأنفاس:
ليست كل يد تمتد إليك تحمل غصن زيتون، وليست كل رصاصة تُطلق باسم الحرية تفتح باباً للديمقراطية، ولا كل من يحدثك عن المستقبل المشرق يريد لك أن ترى شمس الغد.
فالديمقراطية التي تحتاج إلى قتل الإنسان كي تحرره، والحرية التي تبدأ بمصادرة حقه في الحياة، والرخاء الذي يُبشر به فوق أنقاض بيته، ليست إلا مفارقات تستحق أن تُدرّس في مدارس العبث السياسي.
أما أكثر ما يثير الدهشة، فليس القاتل الذي يبرر جريمته بالديمقراطية، وإنما ذلك الذي يصفق له، ويطالب الضحية بأن تشكره على حسن النوايا!
فيا سادتي، لا تبشروا الميت برغد العيش، ولا تعدوا الجائع بوليمة بعد دفنه، ولا تحدثوا من سلبتموه وطنه عن فضائل الانفتاح على العالم.
أعيدوا إليه أولاً حقه في الحياة، ثم دعوه يختار بنفسه كيف يريد أن يعيش.
فالأوطان لا تُبنى فوق جثث أبنائها، والحرية لا تولد من فوهة بندقية مصوبة إلى صدر صاحبها.
وصباح الخير على أولئك الذين ما زالوا يعتقدون أن أفضل طريقة لإنقاذ الغريق هي أن نضع حجراً إضافياً في جيبه، ثم نعقد مؤتمراً دولياً لمناقشة أسباب غرقه!












