اخبار

 د. زكي محمد البشير يكتب : حينما يكون الوطن أولًا

تابعنا على الواتساب لمزيد من الاخبار

                           

 د. زكي محمد البشير يكتب : حينما يكون الوطن أولًا

ليست الأوطان مجرد حدود مرسومة على الخرائط، ولا أسماء تُردد في الأناشيد والخطب، وإنما هي ذاكرة مشتركة، ومصير واحد، وعقد أخلاقي اجتماعي يجمع الناس على قيم العيش الكريم والأمن والاستقرار والعدالة. وحين تتعرض الأوطان للأزمات والتحديات كماهي حالتنا السودانية، تتكشف معادن الشعوب، ويبرز السؤال الجوهري المهم بل الأهم: هل تتقدم المصالح الخاصة أم تتقدم مصلحة الوطن؟ نعم ضعاف النفوس يقعون فريسة الاغراءات الدنيوية والذاتية فيضيع الوطن من بين أيديهم.

إن التاريخ الإنساني يقدم درسًا متكررًا لا يخطئه المتأمل، وهو أن نهضة الأمم تبدأ من اللحظة التي يرتفع فيها الوعي الجمعي فوق الانقسامات الضيقة، ويتحول الانتماء الوطني إلى قوة دافعة للعمل والإنتاج والبناء والاعمار. فالدول التي استطاعت تجاوز الحروب والكوارث والأزمات الاقتصادية لم تحقق ذلك بوفرة الموارد وحدها، بل بإجماع أبنائها على أن الوطن هو القيمة العليا التي ينبغي أن تتقدم على كل اعتبار. اليابان وألمانيا ورواندا خير اثلة في التاريخ القريب.

وحينما يكون الوطن أولًا، يصبح الاختلاف السياسي مصدرًا لإثراء التجربة الوطنية لا سببًا للخصومة والقطيعة، وتتحول الوظيفة العامة إلى أمانة، والقيادة إلى تكليف لا تشريف، والسلطة إلى وسيلة لخدمة المجتمع لا غاية في ذاتها. كما يصبح القانون مرجعية للجميع، وتغدو المؤسسات أكثر قدرة على أداء أدوارها بعيدًا عن تأثير الولاءات الضيقة والانتماءات المحدودة.

لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الانتصار الحقيقي لا يتحقق في ميادين المعارك وحدها، وإنما يتحقق كذلك في ميادين التعليم والعمل والإنتاج والبحث العلمي وبناء المؤسسات. فاليابان، بعد الحرب العالمية الثانية، لم تنهض بقوة السلاح، وإنما نهضت بقوة الإنسان المنضبط والمؤسسات الفاعلة. وألمانيا تجاوزت آثار الانقسام والدمار حين جعلت بناء الدولة هدفًا يتقدم على الخلافات. أما رواندا، فقد قدمت نموذجًا مهمًا في تجاوز جراح الماضي عندما اختارت المصالحة الوطنية طريقًا للمستقبل.

وفي السودان، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا وإلحاحًا. فقد خلفت سنوات النزاعات والاستقطاب آثارًا كبيرة على النسيج الاجتماعي والاقتصاد والخدمات ومؤسسات الدولة. ولم يعد من الممكن تجاوز هذه التحديات إلا بإعلاء قيمة الوطن فوق المصالح الآنية، وترسيخ ثقافة الحوار والتسامح والشراكة الوطنية. فإعادة بناء الأوطان لا تتم بإزالة آثار الدمار المادي فحسب، بل بإعادة بناء الثقة بين الناس، وتعزيز روح الانتماء، وترسيخ الإيمان بأن التنوع مصدر قوة لا سبب للفرقة.

إن الوطن الذي يتسع للجميع لا يبنى بلغة الإقصاء، وإنما بروح المشاركة. ولا تحميه الشعارات وحدها، بل تحميه القيم التي تتحول إلى سلوك يومي؛ في احترام القانون، وإتقان العمل، وصيانة المال العام، وتقديم المصلحة العامة على المكاسب الفردية. فالأمم العظيمة لم تصل إلى ما وصلت إليه عبر الصدفة، وإنما عبر تراكم طويل من المسؤولية والوعي والانضباط.

ولعل من أخطر ما يواجه المجتمعات في أوقات الأزمات أن تتحول الخلافات الطبيعية إلى انقسامات عميقة تهدد وحدة الدولة وتضعف قدرتها على مواجهة التحديات. ولذلك فإن الحكمة الوطنية تقتضي البحث عما يجمع الناس لا ما يفرقهم، والانطلاق من المشتركات الكبرى التي تتمثل في الأمن والسلام والتنمية والعدالة والكرامة الإنسانية.

إن المرحلة الراهنة التي يمر بها السودان، بما تحمله من تحديات وآمال، تفرض على الجميع ــ أفرادًا ومؤسسات وقوى سياسية ومجتمعية ــ أن يجعلوا الوطن أولًا في التفكير والقرار والعمل. فالأوطان لا تنهض بالنيات الطيبة وحدها، وإنما تنهض بالإرادة الصادقة والعمل الجماعي والرؤية المشتركة.

ويبقى الوطن، في نهاية المطاف، أكبر من الأشخاص، وأبقى من المصالح العابرة، وأوسع من الخلافات المؤقتة. وحين يدرك أبناؤه هذه الحقيقة، ويؤمنون بأن مستقبلهم واحد، فإنهم يضعون الأساس المتين لدولة قوية وعادلة ومستقرة؛ دولة يكون فيها الوطن أولًا، فيعلو البناء، ويترسخ السلام، وتتجه الطاقات نحو التنمية وصناعة المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى