
من ذاكرة ودمدني | وجوه من مدني
عثمان عمر الشريف… الرمح الملتهب الذي لم تنطفئ جذوته
من ودمدني خرج محاميًا، وإلى السودان كله امتد صوته.
كتب : رشيد الملح
في تاريخ الحركة الوطنية السودانية رجال صنعتهم المناصب، ورجال صنعت لهم مواقفهم مكانة قبل أن يصلوا إلى المناصب. وكان عثمان عمر الشريف من ذلك الجيل الذي دخل السياسة من أبواب النضال والتنظيم والعمل الجماهيري، لا من أبواب السلطة.
عرفته ودمدني محاميًا، لكن ساحات المحاكم لم تكن وحدها ميدانه. فقد وجد في العمل السياسي مجالًا أوسع للدفاع عن قناعاته، وانخرط في صفوف الحركة الاتحادية في سنوات كانت فيها معارضة الحكم العسكري محفوفة بالمخاطر.
ارتبط بالشريف حسين الهندي، أحد أبرز رموز المعارضة لنظام مايو، وكان ضمن الشبكات التنظيمية التي حافظت على نشاط الحركة الاتحادية داخل السودان. وقد استعاد رفاقه بعد رحيله أدواره في التواصل مع الشباب والطلاب والنقابيين، ونقل التكليفات وتنظيم العمل المعارض.
ولم يكن عثمان عمر الشريف سياسيًا يعمل خلف الأبواب وحدها، بل كان خطيبًا صاحب حضور جماهيري، يعرف كيف يحرك المنابر ويخاطب الناس. ومن هنا جاء لقبه الشهير «الرمح الملتهب»، الذي أطلقه عليه الشريف زين العابدين الهندي.
وحين جاءت انتخابات عام 1986، اختارته جماهير ودمدني ممثلًا لها في الجمعية التأسيسية، فانتقل بصوته من منابر المدينة إلى البرلمان السوداني.
ثم تولى وزارة الأشغال والمرافق العامة والإسكان، وعاد في مرحلة لاحقة إلى العمل التنفيذي وزيرًا للتجارة، في مسيرة امتدت عبر فترات سياسية مختلفة، لم تخلُ من المواجهات والخلافات والتحولات.
وكان من اللافت في تجربته أنه ظل حاضرًا في الحركة الاتحادية رغم الانقسامات التي عرفتها، محتفظًا بعلاقات سياسية وإنسانية مع قيادات من تياراتها المختلفة.
ولعل مشهد تأبينه في القاهرة، الذي اجتمعت فيه شخصيات اتحادية من اتجاهات متعددة، كان شاهدًا على حجم حضوره في ذاكرة رفاقه، حتى أولئك الذين فرقت بينهم المواقف والتنظيمات.
وفي ودمدني، كانت للزعيم حكاية لا تختصرها السياسة.
كان منزله في قلب المدينة أكثر من مسكن. فقد تحول إلى منتدى ومجلس مفتوح، يجتمع فيه أبناء مدني، وتدور فيه النقاشات حول السياسة والوطن وشؤون الناس.
هناك كانت السياسة جزءًا من الحياة اليومية، لا نشاطًا ينتهي بانتهاء الاجتماعات الرسمية.
وظل عثمان عمر الشريف مرتبطًا بمدينته، التي حملته يومًا إلى البرلمان، حتى جاءت الحرب وفرضت على أهلها الرحيل والتشتت.
وفي الحادي عشر من فبراير 2024، أسلم الروح بمدينة القضارف، بعد رحلة علاج لم تكتمل، ودُفن بعيدًا عن ودمدني التي نشأ فيها وأحبها.
كان رحيله مناسبة استعاد فيها رفاقه مسيرة طوي













