
د. عبد اللطيف البوني يكتب : هل يصبح الأمن مقابل الجوع ؟ (١)
بعد غيبة طويلة عن البلاد ..طوعية وقسرية …فقد كان مغتربا عاديا انقطع من البلاد منذ ٢٠٢٠ وعندما انتوى العودة النهائية في منتصف ٢٠٢٣ ..سبقته الحرب في أبريل من ذات العام فأصبحت غربته إجبارية ..عاد للبلاد في ٢٠٢٦ فوجد العاصمة التي كان له فيها بيت غير تلك التي راها قبل ستة سنوات ..فجاء الي مسقط راسه في الجزيرة فوجد الناس والمكان في حالة تعافي بعد خروج المعتدي الاثم ..فنعم بشي من الهدؤ وراحة البال واخذ يتمعن في المتغيرات التي حدثت جراء ما حصل للناس والمكان ..وأصبح مجلسه عامرا لانه يطرح ملاحظات متفردة فاتت على الكثير من الناس الذين تطبعوا مع الأحداث وتلقوا تلك المتغيرات في جرعات يمكن وصفها بأنها شبه متباعدة…المهم لم تحدث مرة واحدة ..أما هو فقد تلقاها دون تدرج ….وهنا لابد من أن نتذكر (متلازمة الضفدعة المغلي)
Boiling frog snydrome
وهي ملازمة مجازية تقول ان الضفدعة وضعت في ماء درجة حرارتها عادية فعاشت فيها بصورة طبيعية … ثم بدأت درجة الحرارة تتغير درجة درجة الي أعلى… والضفدعة باقية فيها الي وصلت مرحلة الغليان فماتت داخلها …هنا تكمن أهمية دور صاحبنا الذي لم يعش التغيير متدرجا ..لتصبح ملاحظاته كجرس تنبيه قبل أن تصل الماء مرحلة الغليان…
(1)
في الجزارة …سوق القرية اليومي..ذهب صاحبنا للتسوق فسمع الجزارين يصيحون لجذب المشترين ..بعشرة ..بعشرة …علينا جاي ..ابيض وسمين …فظن انهم يشيرون الي ثمن الكيلوجرام كما كان سابقا …حتى في هذة فقد كان الصياح بأربعة وخمسة سنة ٢٠٢٠ …ان لم تخنه الذاكرة … فإذا به يفاجأ انهم يشيرون الي سعر ربع الكيلو جرام ..إذ لم يعد هناك أحدا يطلب كيلو كامل فالكل مطلبه ربع الكيلو …تفاجأ أكثر بأن احداهن طلبت من الجزار نصف ربع ..أي ثمن كيلو ..وبعدت ان ذهبت سال الجزار …معقولة بس الزول يشتري ثمن كيلو ؟..فرد بالقول ..وكمان مرة واحدة في الأسبوع …واقسم له بأن هناك من لايقف امام الجزار ..لعدة شهور متتالية ان عهد بيته باللحم عيد الأضحى …
(3)
يتساءل الان صاحبنا الناس دي عايشة كيف ؟والحكاية دي حدها وين ؟ ولكن ما لم يساله صاحبنا لماذا يحتمل الناس كل هذة الضغوط ؟ اذا علمنا ان هذا الشعب أحدث ثورة عندما زاد رطل السكر قرشا واحدا …وأحدث ثورة عندما زاد ثمن الرغيفة قرشين ؟
الإجابة في ظني ان التجربة التي مر بها الناس ايام سيطرة الدعم السريع ..كانت قاسية جدا ..كانت فوق اي تصور …ان فقدان الأمن وما تبعه من نزوح وتشرد وموت ودمار وهلاك . قد فاق الخيال …لذلك احتمل الخارجين من تلك التجربة ..كل هذا الغلاء الطاحن ..بعبارة أخرى المسألة هنا نسبية وليست مطلقة … …هنا يبرز السؤال هل أصبح الجوع مقابل الأمن ؟…بعبارة ثانية الي متى سيذكر الناس ايام الدعم التعيسة لتحمل شظف العيش الذي هبط عليهم ؟…الم يكن الطبيعي ان تتغير حياة الناس للأحسن بعد خروج الدعم السريع ؟ إذن هناك شي غير طبيعي …فما هو ؟ ام نستدعي متلازمة الضفدعة المجازية ويلحق الجميع بامات طه ..ونتسلى بمحمود درويش
يا كبرياء الجرح لو متنا لحاربت المقابر













