
رؤيتي
د. زكي محمد البشير يكتب : بوابات العاصمة.. حين تصبح الهجرة غير المنضبطة قضية أمن قومي
في الدول التي تواجه ظروفاً أمنية واقتصادية استثنائية، لا تصبح حركة السكان والهجرة مجرد قضية اجتماعية أو إنسانية، بل تتحول إدارة الحدود وحركة الدخول والإقامة إلى جزء أصيل من منظومة الأمن القومي. والسودان، بما يتمتع به من موقع جغرافي مفتوح على عدد من دول الإقليم، ليس استثناءً من ذلك.
إن ملاحظة دخول أعداد من الوافدين من دول الجوار وغرب أفريقيا إلى المدن السودانية، ووصول بعضهم إلى العاصمة، تطرح سؤالاً مشروعاً لا يتعلق بلون البشرة أو الملامح أو الانتماء العرقي، وإنما يتعلق بكفاءة منظومة الدولة في معرفة من يدخل، ومن أين أتى، وبأي صفة يقيم، وإلى أين يتجه؟
فالإنسان لا ينبغي أن يكون موضع اشتباه بسبب سحنته، كما أن التشابه الكبير بين شعوب المنطقة يجعل الاعتماد على المظهر وسيلة غير عادلة وغير فعالة أمنياً. لكن في المقابل، لا ينبغي أن تتحول سهولة الحركة أو الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد إلى ثغرة تسمح بالدخول والإقامة دون تسجيل أو توثيق أو رقابة قانونية.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يدخل أي شخص إلى البلاد بعيداً عن الإجراءات الرسمية، أو يتحرك داخل المدن دون وثائق واضحة، أو تنشأ تجمعات غير معلومة الهوية والنشاط. ففي مثل هذه البيئات قد تجد شبكات الجريمة المنظمة والتهريب والاتجار بالبشر وتزوير الوثائق وغيرها من الأنشطة غير المشروعة فرصة للاختباء وسط حركة بشرية طبيعية ومشروعة
ومن المهم هنا التمييز بين المهاجر أو اللاجئ أو الوافد المسالم، الذي تكفل له القوانين والمواثيق حقوقاً وكرامة إنسانية، وبين من يستغل مسارات الهجرة لتحقيق أغراض إجرامية أو أمنية. التعميم على جنسية أو إقليم أو مجموعة بشرية بأكملها ليس حلاً أمنياً؛ بل إن العمل الاستخباري والقانوني المحترف يقوم على المعلومات والسلوك والأدلة، لا على الملامح والألوان.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه العاصمة مستقبلاً ليس وجود الأجانب في حد ذاته، وإنما وجود أفراد مجهولي الهوية والإقامة والنشاط خارج نطاق المعرفة الرسمية للدولة. وإذا استمرت مثل هذه الثغرات، فقد تصبح بيئة قابلة للاستغلال في تكوين شبكات إجرامية أو مجموعات منظمة تهدد الأمن والاستقرار، وهي احتمالات ينبغي التعامل معها بالوقاية والتحقق لا بالاتهام المسبق.
ولهذا فإن المطلوب ليس حملات عشوائية ولا مساءلة الناس على أساس مظهرهم، وإنما بناء منظومة دقيقة لإدارة الهجرة: تشديد الرقابة على المعابر، وتسجيل الوافدين، والتحقق من الوثائق، وضبط الإقامة، ومكافحة التهريب والاتجار بالبشر، وربط قواعد بيانات الهجرة والشرطة والأجهزة المختصة، مع ضمان احترام القانون والحقوق الإنسانية.
كما أن بوابات العاصمة ومداخل المدن ينبغي ألا تكون مجرد نقاط عبور، وإنما جزءاً من منظومة أمنية حديثة تعتمد على المعلومات والتحليل وإدارة المخاطر، بحيث يكون التدقيق موجهاً وفق مؤشرات موضوعية ومعلومات موثوقة، لا وفق الانتماء العرقي أو لون البشرة.
الأمن لا يعني إغلاق الأبواب أمام الناس، كما أن الإنسانية لا تعني ترك الأبواب بلا حراسة. وبين الاثنين تقف الدولة بمؤسساتها وقانونها: تحمي حدودها، تعرف من يقيم على أرضها، تصون كرامة الإنسان، وتمنع في الوقت نفسه أن تتحول أراضيها إلى ممر أو مأوى للجريمة المنظمة.
إن معالجة الهجرة غير النظامية اليوم أقل كلفة بكثير من معالجة آثارها الأمنية والاجتماعية غداً. فالعاصمة الآمنة تبدأ من حدود معلومة، ومعابر منضبطة، وهوية موثقة، ومؤسسات ترى المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات.
خاتمة: المسؤولية قبل فوات الأوان
إن إثارة هذه القضية ليست دعوة إلى التخويف من الأجانب، ولا إلى مطاردة الناس في الطرقات أو تصنيفهم بحسب وجوههم ولهجاتهم، وإنما هي دعوة صريحة إلى تحمل المسؤولية. فالمسؤولية الأولى تقع على مؤسسات الدولة المختصة بحماية الحدود والهجرة والإقامة والأمن، وعليها ألا تنتظر وقوع الخطر حتى تبدأ في البحث عن أسبابه.
كما تقع على المجتمع مسؤولية موازية: أن يكون يقظاً من دون أن يتحول إلى جهة اتهام أو تنفيذ للقانون. فالمعلومة التي تثير شبهة حقيقية ينبغي أن تصل إلى الجهات المختصة عبر القنوات القانونية، أما الشائعات والتحريض والاتهامات القائمة على اللون أو الأصل فلا تصنع أمناً، بل قد تخلق مظالم وانقسامات جديدة.
وعلى الأجهزة المختصة أن تسأل نفسها اليوم، لا غداً: هل نعرف بصورة دقيقة من يدخل البلاد ومن يقيم فيها؟ هل المعابر ومداخل العاصمة تعمل وفق إجراءات تحقق واضحة؟ وهل توجد منظومة تستطيع التمييز بين الوافد القانوني وبين من يتسلل أو يخفي هويته أو نشاطه؟
المسؤولية الوطنية تقتضي أن تُطرح هذه الأسئلة الآن، وأن تتحول الإجابات إلى إجراءات مؤسسية واضحة. فالأمن مسؤولية، والسيادة مسؤولية، وكرامة الإنسان مسؤولية أيضاً. وبين التفريط والتجاوز يقف القانون؛ حازماً في حماية الوطن، وعادلاً مع كل من يعيش على أرضه.
*خاتمة*: من المسؤول قبل أن ندفع الثمن؟
لم يعد مقبولاً أن تكون العاصمة مفتوحة أمام حركة دخول غير موثقة، ثم ننتظر وقوع الحوادث لنبدأ السؤال: من دخل؟ ومن أين أتى؟ وكيف وصل؟ وأين يقيم؟ ومن سمح بمروره دون تحقق؟
هذه أسئلة مسؤولية وليست أسئلة كراهية، وأسئلة أمن دولة وليست دعوة لاستهداف الأجانب. فالمشكلة ليست في لون إنسان أو سحنته أو موطنه، وإنما في أن يدخل أي شخص إلى البلاد أو يتحرك داخلها خارج منظومة التسجيل والتحقق والقانون.
وعلى الجهات المختصة أن تدرك أن الثغرة التي يُتسامح معها اليوم قد تتحول إلى أزمة أمنية غداً. وكل دخول غير نظامي لا تتم متابعته، وكل هوية مجهولة لا يجري التحقق منها، وكل نشاط مشبوه يُترك بلا تحقيق، يمثل نقطة ضعف يمكن أن تستغلها شبكات التهريب والجريمة المنظمة وغيرها من الجهات التي تبحث دائماً عن المساحات الرخوة داخل الدول.
ومن هنا يجب أن تكون المسؤولية واضحة: من المسؤول عن المعابر؟ من يراقب مداخل العاصمة؟ من يتحقق من أوضاع الوافدين؟ ومن يُساءل عندما تعبر أعداد من الأشخاص دون تسجيل أو تدقيق كافٍ؟ لا ينبغي أن تضيع المسؤولية بين المؤسسات، ولا أن تصبح عبارة «الظروف الاستثنائية» مبرراً دائماً لغياب الرقابة.
إننا لا نطالب بمطاردة الناس، بل نطالب بدولة تعرف من يدخل أرضها. ولا ندعو إلى الاشتباه في الأجانب، بل إلى الاشتباه في السلوك غير القانوني والتحقق منه. ولا نطالب بإجراءات انتقائية، بل بقانون يُطبق على الجميع بعدالة وحزم.
أما المواطن، فواجبه اليقظة والإبلاغ عن الوقائع والسلوكيات المريبة عبر الجهات الرسمية، وليس أخذ القانون بيده أو ملاحقة الناس بناءً على أشكالهم ولهجاتهم وأصولهم.
الوقت ليس وقت المجاملات الأمنية. حماية العاصمة تبدأ من إحكام الحدود والمعابر، وضبط الإقامة، وتوثيق الهوية، وتبادل المعلومات، ومساءلة المقصرين. فالأمن لا يُدار بردود الأفعال بعد وقوع الكارثة، وإنما بالوقاية قبل وقوعها.
والرسالة التي ينبغي أن تصل واضحة إلى كل مسؤول هي:
أغلقوا ثغرات العبور غير النظامي قبل أن تتحول إلى أبواب للأزمات. اعرفوا من يدخل، ووثقوا من يقيم، وراقبوا المخاطر بالأدلة، وحاسبوا من يقصر في واجبه. فالتهاون في أمن الوطن ليس مجرد خطأ إداري؛ إنه مسؤولية سيُسأل عنها أصحابها عندما تصبح تكلفة المعالجة أكبر من تكلفة الوقاية.
الوطن لا يحتاج إلى إثارة الخوف من الغرباء، بل يحتاج إلى دولة يقظة، وقانون حاضر، وحدود منضبطة، ومسؤول يعرف أن موقعه تكليف ومساءلة قبل أن يكون سلطة.













