اخبار

د.زكي محمد البشير يكتب : ثلاثة أيام في حضرة كسلا حين يكون للكرم رجال.. وللوفاء مقال

تابعنا على الواتساب لمزيد من الاخبار

                           

رؤيتي

ثلاثة أيام في حضرة كسلا

حين يكون للكرم رجال.. وللوفاء مقال

بقلم: د. زكي محمد البشير

في كسلا لا تبدأ الحكاية عند الوصول، ولا تنتهي عند الرحيل؛ فثمة مدنٌ تسكنها حين تزورها، وثمة مدنٌ تسكنك بعدما تغادرها. وكسلا من تلك المدن التي إذا أقبلتَ عليها استقبلك الجمال، وإذا جلستَ إلى أهلها احتواك الكرم، وإذا حان الرحيل تركتَ فيها شيئًا من القلب وحملتَ منها كثيرًا من الذكرى.

ثلاثة أيام قضيناها في رحابها، لكنها في ميزان الود أطول، وفي سجل الذكريات أجمل، وفي دفاتر الوفاء أبقى وأكمل.

كنا في ضيافة الأستاذ محمد علي أكد، رئيس المكتب الفرعي للمجلس القومي للمهن الطبية والصحية بولاية كسلا؛ فوجدنا رجلًا إذا استقبل أكرم، وإذا وعد أنجز، وإذا تحمّل المسؤولية أخلص، وإذا حضر العمل تقدّم.

أكرم الوفادة، وأحسن القيادة، وجعل من الزيارة برنامجًا عامرًا باللقاءات، زاخرًا بالمشاهدات، غنيًا بالدلالات.

فله التحية بحجم ما قدّم، والشكر بقدر ما أكرم، والتقدير بقدر ما حمل من همّ المؤسسة وخدمة المهنة والممارسين.

ومن مكتب المجلس إلى رحاب حكومة الولاية، كان للقاء معنى وللحديث مغزى.

التقينا الرجل الهمام الأستاذ عبد الخالق بابكر، أمين عام حكومة ولاية كسلا، فوجدنا مسؤولًا يستمع قبل أن يتحدث، ويقترب من القضايا قبل أن يحكم عليها، ويعرف أن خدمة الناس ليست منصبًا يُحمل، وإنما أمانة تُؤدى، ومسؤولية تُصان، وأثرًا يبقى بعد أن تمضي الأزمان.

إنه عمدة ابن عمدة ضارب بأصله في عمق التاريخ 

كان اللقاء ودودًا في عباراته، جادًا في موضوعاته، واسعًا في دلالاته؛ فالولايات لا تنهض بكثرة المكاتب، وإنما بحضور المسؤول، ولا تُبنى بطول الخطابات، وإنما بصدق الإرادة وحسن المتابعة.

وعد فأوفي وقال فكفي..

ثم كانت للمؤسسات الصحية وقفة، ولرجال الصحة تحية.

تشرفنا بلقاء مدير عام المستشفى السعودي الدكتور محمد ادم حيث الذوق والرقي والتواضع ومدير عام مستشفى كسلا التعليمي الدكتور رضوان حيث الأناقة والرزانة والعلم والطموح ، ورأينا في تلك اللقاءات صورةً من صور العمل الذي يستحق الإسناد، والعطاء الذي يستوجب الإشادة.وهديناهما ميدالية الانضباط المهني فهو تكريم قليل في حقهم 

فالقطاع الصحي ليس جدرانًا وأجهزةً وأسرّة فحسب؛ إنه طبيب يسهر، وممرض يصبر، وممارس صحي يبذل، وإداري يرتب، وعامل يهيئ المكان، وقيادة تدرك أن خلف كل ملف مريضًا ينتظر، وخلف كل سرير أسرةً ترجو، وخلف كل خدمة إنسانًا يستحق الرعاية والكرامة.

واللقاء شمل مدير عام وزارة الصحه الدكتور أنور وكلماته في حفل تخريج طلاب الاكاديميه منهج يدرس وعبر تكتب للتاريخ ونور يهدي الي طريق الحق …

ولأهل المهن الطبية والصحية في كسلا نقول:

طوبى لمن جعل خدمة الإنسان رسالته، والإتقان عادته، والرحمة زاده، والمهنية طريقه؛ فما أعظم مهنةً يكون مقصدها تخفيف الألم، وما أنبل رسالةً يكون عنوانها حفظ النفس وصون الكرامة.

أما كسلا نفسها، فماذا نقول عنها؟

هل نتحدث عن التاكا وهي تراقب المدينة في شموخ؟ أم عن القاش وهو يسكن ذاكرة المكان؟ أم عن الوجوه البشوشة التي تختصر المسافات بين الضيف والمضيف؟

كسلا مدينةٌ إذا حدثتك أرضها أنصتَّ، وإذا صافحك أهلها أحببتَ، وإذا غادرتها اشتقتَ.

فيها للجبل هيبة، وللقاش حكاية، وللناس سماحة، وللمجالس راحة، وللقاء طعم لا تصفه العبارة ولا تحيط به الإشارة.

ثلاثة أيام علمتنا من جديد أن أجمل ما في الأوطان ليس عمرانها وحده، بل إنسانها؛ وأن المؤسسات مهما امتلكت من لوائح وهياكل، تظل الروح فيها رجالًا ونساءً يؤمنون بالواجب، ويحملون المسؤولية، ويجعلون من مواقعهم أبوابًا لخدمة الناس لا أسوارًا تفصلهم عنهم.

نغادر كسلا ونقول للأستاذ محمد علي أكد: شكرًا لأنك كنت نعم المضيف ونعم الرفيق.

وللأستاذ عبد الخالق بابكر: شكرًا لحسن اللقاء وطيب الاستقبال.

ولقيادات المستشفى السعودي ومستشفى كسلا التعليمي ولكل العاملين فيهما: شكرًا لأنكم تقفون حيث يكون الألم، وتزرعون الأمل.

ولأهل كسلا جميعًا نقول:

أكرمتم فأحسنتم، واستقبلتم فأبهجتم، وفتحتم لنا الأبواب ففتحتم قبلها القلوب.

غادرنا كسلا، لكن كسلا لم تغادرنا؛ تركنا وراءنا جبال التاكا، وحملنا معنا شموخها، وودعنا القاش، وحملنا حكاياته، وفارقنا أهلها، وبقيت مودتهم في القلب.

سلامٌ على كسلا حين نأتيها، وسلامٌ عليها حين نغادرها، وسلامٌ على أهلها ما بقي للوفاء معنى، وللكرم عنوان، وللذكريات مكان.

وإلى لقاءٍ آخر يا كسلا… فالرحيل عن المدن الجميلة مغادرة، أما الرحيل عن المدن التي نحبها فموعدٌ مؤجل للعودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى