
كلما سمعت الحديث عن الجيش تعود إلى ذهني صورتان من منطقة الكدرو. الأولى لضابط يسير في منتصف الطريق، مرفوع الرأس وخلفه جنوده. والثانية لضابط يقف أمام باب المنزل الذي كنا فيه، يطرقه وينتظر، ثم يسأل بهدوء: «ممكن نفتش؟».
قد تبدوان صورتين عاديتين لمن لم يعش تلك الأيام، لكنهما بالنسبة إلي تختصران معنى الجيش: شجاعة في مواجهة الخطر، وانضباط في التعامل مع المواطن. ولهذا، عندما يأتي العيد الثاني والسبعون للقوات المسلحة، لا أفكر في العروض والشعارات بقدر ما أفكر في ذلك الطريق، وفي الباب الذي طُرق باحترام.
يوافق الرابع عشر من أغسطس ذكرى سودنة قيادة الجيش عام 1954، عندما تسلّم الفريق أحمد محمد حمد الجعلي القيادة، قبل إعلان استقلال السودان بنحو عام ونصف. أما النواة الحديثة للمؤسسة العسكرية فتعود إلى قوة دفاع السودان التي تأسست عام 1925. لذلك فهذه المناسبة لا تعني أن عمر الجيش اثنان وسبعون عامًا فقط، وإنما تعني مرور اثنين وسبعين عامًا على انتقال قيادته إلى السودانيين.
لم تكن السودنة مجرد تغيير قائد أجنبي بقائد سوداني. كانت خطوة مهمة نحو الاستقلال، لأن الدولة لا تستقل حقيقة إذا لم يكن قرارها العسكري في يد أبنائها. قد يُرفع العلم فوق المباني، لكن السيادة تظل ناقصة إذا وجدت داخل البلاد قوة تنازع الدولة سلطتها أو تحمل سلاحًا لا يخضع لقيادة وطنية واحدة.
لهذا أرى أن دعم القوات المسلحة ليس دفاعًا عن أشخاص، بل عن فكرة الدولة نفسها. السودان، مثل أي بلد، يحتاج إلى جيش واحد وقرار واحد. وعندما تتعدد الجيوش، لا يبقى الخلاف داخل المعسكرات؛ يصل إلى البيوت والأسواق والمدارس، ويدفع المواطن الثمن.
والجيش في السودان ليس مؤسسة بعيدة عن المجتمع. جنوده يأتون من القرى والمدن والأحياء نفسها التي يدافعون عنها؛ فيهم ابن المزارع والراعي والعامل والمعلم. لذلك، عندما يقف الجندي في موقعه، تقف خلفه أسرة تنتظر عودته ومجتمع يعرف اسمه. هذه الصلة هي التي تعطي المؤسسة معناها الوطني، وهي أيضًا التي تجعل رعاية أسر الشهداء والجرحى واجبًا لا منحة. فالذين يطلب منهم الوطن التضحية بحياتهم يستحقون أن يطمئنوا إلى أن أبناءهم لن يُتركوا وحدهم، وأن تضحياتهم ستبقى محفوظة في ذاكرة البلاد.
اليوم الذي تغيرت فيه الكدرو
عندما دخلت قوات الدعم السريع إلى الكدرو، كانت تلك أول مواجهة مباشرة أشهدها بينها وبين الجيش. في ثوانٍ تغيرت المنطقة. اختفى الناس من الشوارع، وأُغلقت الأبواب، وتحولت الكدرو إلى ما يشبه مدينة الأشباح.
لم تكن خالية من السكان؛ كان الجميع موجودين خلف الجدران. الناس يراقبون من النوافذ ولا أحد يتحرك. كنت أتابع الطريق من خلف زجاج نافذة المنزل الذي لجأنا إليه، ولا أعرف كيف ستنتهي المواجهة أو متى نستطيع الخروج.
ذلك الطريق كان مألوفًا بالنسبة إلي، لكنه بدا غريبًا تمامًا. أدركت يومها أن الفوضى لا تسلب الإنسان منزله فقط، بل تسلبه حقه في الشارع أيضًا. يصبح الطريق أمامه، لكنه لا يستطيع الوصول إليه. ويصبح مجرد الخروج من الباب مخاطرة لا يعرف عاقبتها.
عندما تقدم الجيش وأبعد قوات الدعم السريع عن المنطقة، عادت الحياة بسرعة لفتت انتباهي. بدأت النوافذ تُفتح، ثم الأبواب، وخرج الناس بحذر. لم يصدر أحد إعلانًا بأن الخطر انتهى، لكن وجود الجيش كان كافيًا ليشعر الناس بأن الطريق عاد إليهم.
وسط ذلك المشهد رأيت الضابط الذي ما زلت أذكره. أظنه كان برتبة عقيد، لكنني لست متأكدًا. كان يسير بعلاماته العسكرية، مرفوع الرأس، وخلفه جنوده. لم تكن في خطواتهم عجلة أو ارتباك. بدوا ثابتين بصورة جعلتني أقول في نفسي إن هؤلاء الرجال لا يخافون الموت.
بعد ذلك فكرت في الأمر بطريقة مختلفة. ربما كانوا يخافون مثلنا، ولهم أسر تنتظرهم وأطفال يريدون عودتهم. الشجاعة ليست غياب الخوف، وإنما ألا تسمح له بأن يقرر عنك. كانوا يتقدمون لأن بقاءهم في الخلف يعني أن يبقى المدنيون خلف النوافذ. كانوا يضعون أنفسهم بين الخطر والناس.
زيارة لم أنسها
بعد أن بدأ الجيش في تأمين المنطقة، جاءت قوة لتفتيش المنزل الذي كنا نقيم فيه، وكان منزلًا من ثلاثة طوابق يقيم فيه معنا آخرون. طرق الضابط الباب وانتظر حتى فتحنا. لم يقتحم المنزل، ولم يرفع صوته. قال ببساطة: «ممكن نفتش؟».
قلت له: «مرحب بيكم».
لم أخف، ولم يخف الذين كانوا معنا. دخل الجنود وأجروا التفتيش من دون أن يسيئوا إلينا أو إلى المنزل. وقبل أن يغادروا سألنا الضابط عن أحوالنا. قد يبدو السؤال تفصيلًا صغيرًا، لكنه لم يكن صغيرًا بالنسبة إلي. في ذلك الظرف الصعب كان من المهم أن نشعر بأننا مدنيون تجب حمايتنا، لا مجرد أشخاص داخل منطقة عمليات.
هذا التصرف علّمني فرقًا مهمًا بين من يحمل سلاحًا وبين الجندي الذي ينتمي إلى مؤسسة. السلاح يمنح صاحبه القدرة على الدخول بالقوة، لكن الانضباط يجعله يطرق الباب. والقوة الحقيقية لا تظهر في استعمال السلطة بلا حدود، بل في معرفة حدودها واحترام الناس حتى في ظروف الحرب.
في اليوم التالي غادرنا المنطقة. كانت آليات الجيش موجودة لتأمينها. كنا نغادر بسبب الحرب، لكننا لم نكن نهرب من الجيش. على العكس، كان وجود الجنود يمنحنا قدرًا من الطمأنينة بأن هناك من بقي لحماية المكان.
لا أزعم أن تجربتي تختصر حربًا واسعة ومعقدة مثل حرب السودان. إنها شهادة مواطن عن يومين بقيا في ذاكرته. لكن ما رأيته جعل معنى الجيش واضحًا عندي: في الطريق رأيت الشجاعة، وعند الباب رأيت الانضباط. ولا تكتمل صورة الجيش الوطني من دون الاثنين معًا.
جيش واحد لدولة واحدة
كشفت حرب أبريل 2023 خطورة وجود قوة عسكرية موازية للجيش. فعندما اندلعت المواجهة داخل المدن، لم يعد الخطر شأنًا عسكريًا بعيدًا؛ دخل إلى الأحياء والمنازل، وتعطلت حياة الملايين. ورغم عنصر المفاجأة واتساع القتال، حافظت القوات المسلحة على تماسكها، وأعادت تنظيم صفوفها، ومنعت سقوط الدولة.
لكن النصر الذي يحتاجه السودان لا يقتصر على الميدان. نريد نصرًا يعيد مؤسسات الدولة والقانون، ويعيد النازحين إلى بيوتهم، والأطفال إلى مدارسهم، والمزارعين إلى حقولهم. نريد أن يصبح السلاح كله داخل مؤسسة وطنية واحدة، حتى لا تتكرر المأساة.
ويحمل شعار العيد «جيش منتصر.. وشعب مقتدر» هذا المعنى. فالجيش لا ينتصر بعيدًا عن شعبه، والشعب لا يستطيع حماية دولته من دون جيش وطني. انتصار الجيش يجب أن يفتح الطريق أمام عودة الحياة، واقتدار الشعب يظهر في صبره وتكافله وتمسكه بوحدة بلاده.
ولا يكتمل الاحتفاء بالجيش من دون الوفاء للشهداء والجرحى وأسرهم. هؤلاء ليسوا أرقامًا في البيانات. خلف كل اسم أسرة فقدت سندًا، وأطفال ينتظرون ألا تُنسى تضحيات آبائهم. رعاية تلك الأسر وعلاج الجرحى وحفظ حقوق المقاتلين مسؤولية على الدولة والمجتمع، لا بندًا موسميًا في خطب المناسبات.
أما بعد الحرب، فسيحتاج السودان إلى جيش أكثر تدريبًا وحداثة، وإلى الاستفادة من دروس القتال في تطوير قدراته الطبية والهندسية والتقنية. كما تنتظره مسؤوليات في إزالة مخلفات الحرب، وتأمين عودة السكان، وحماية الحدود والمساهمة في إعادة الإعمار.
قوة الجيش ليست في السلاح وحده، بل في انضباطه وثقة الناس به. ما رأيته عند الباب أكد أن احترام المواطن لا ينتقص من هيبة الجندي، بل يزيدها. فالناس يطمئنون إلى القوة حين يعرفون لماذا جاءت وكيف تتصرف. وهذا ما أتمناه لجيش السودان بعد الحرب: أن يكون قويًا، وأن يظل قريبًا من المواطنين، واضحًا في واجبه، وألا يترك مجالًا لقوة أخرى تحمل السلاح خارج الدولة. عندها يشعر المواطن أن الجيش قريب منه، وأن الوطن له حارس يعرف قيمة من يحرسهم.
وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أستعيد الحرب حبًا فيها، بل أستعيد اللحظة التي عادت فيها الحياة إلى الطريق. أتمنى أن يأتي العيد المقبل وقد عاد كل نازح إلى بيته، وكل طفل إلى مدرسته، وأصبحت قصة نافذتنا جزءًا من ماضٍ لا يتكرر.
وحتى ذلك اليوم سأظل أذكر مشهدين من الكدرو: ضابطًا تقدم أمام جنوده حتى عاد الناس إلى الشارع، وضابطًا طرق الباب وحفظ للبيت حرمته. بينهما رأيت الجيش الذي أريده لوطني؛ قويًا حين يواجه الخطر، هادئًا حين يتعامل مع المواطن، ومدركًا أن حماية الناس هي الغاية من كل ما يحمله من سلاح.
كل عام والجيش السوداني بخير، وكل عام والسودان أقرب إلى الأمن والسلام الذي يستحقه شعبه













